روى الطبري (ج19، ص205)مصدر غير محدد١٩/٢٠٥ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} قال: "هي المساجد، بيت الله في الأرض، وأمر ببنائها وتعظيمها وتطهيرها من الدنس واللغو".
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة ومجاهد والضحاك قالوا: "المساجد أذن الله في بنائها ورفع شأنها وطهارتها وتنزيهها عن الأقذار".
وقال البخاري في صحيحه: "باب بنيان المسجد"، وأخرج من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله".
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب".
{بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: الغدو صلاة الصبح وأول النهار، والآصال جمع أصيل وهو العشي وما بين العصر إلى غروب الشمس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْآصَالِ}: جمع أَصِيل، وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب.
الإعراب:
{فِي بُيُوتٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ إما متعلق بـ {كَمِشْكَاةٍ} في الآية السابقة (أي المصباح يوقد في بيوت)، أو متعلق بـ {يُسَبِّحُ} مقدماً عليه، أو بخبر محذوف تقديره: ذلك النور في بيوت.
{أَذِنَ اللَّهُ}: أذن فعل ماض والله فاعل، والجملة نعت لبيوت.
{أَن تُرْفَعَ}: أن مصدرية وترفع مضارع مبني للمجهول منصوب، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به أو مجرور بحرف جر محذوف (بأن ترفع) متعلق بأذن.
{وَيُذْكَرَ}: معطوف على ترفع منصوب، {فِيهَا اسْمُهُ}: فيها متعلق بيذكر، واسمه نائب فاعل.
{يُسَبِّحُ}: فعل مضارع مرفوع، وقرئ بفتح الباء (يُسَبَّحُ) مبنياً للمجهول فيكون {رِجَالٌ} في الآية التالية فاعلاً للمبني للمعلوم، أو نائب الفاعل للجار والمجرور.
{لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: شبه جمل متعلقة بيسبح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع الاتصال بين قنديل النور الإلهي ومواطن استقراره في الأرض! فبعد أن ضرب الله مثل نوره بالمصباح والزجاجة، بيّن أين توجد هذه القناديل وأين تتجلى هذه الأنوار؛ إنها في بيوت الله (المساجد) التي هي مهابط الرحمات ومواطن التجلي والذكر.
المقابلة بين البيوت الخاصة التي أُمر فيها بالاستئذان وحفظ العورات وغض البصر، وبين بيوت الله العامة التي أذن برفعها وعمارتها لجميع المؤمنين ليذكر فيها اسمه ويسجد له فيها بالغدو والآصال.
تخصيص {الْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: وهما طرفا النهار، لما في هذين الوقتين من شرف وتبدل للملائكة وافتتاح للعمل وختام له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى رفع المساجد {أَن تُرْفَعَ}:
هل هو مجرد تشييد الجدران وزخرفتها؟
الجواب المحكم الذي قرره الفقهاء:
الرفع المعنوي مقدم قطعاً؛ وهو تعظيم حرمتها، وتطهيرها من البدع والشركيات واللغو والبيع والشراء، وإقام الصلاة فيها.
أما الرفع الحسي فهو بناؤها وصيانتها من الأقذار، دون التكلف في الزخرفة والمباهاة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ما أمرت بتشييد المساجد... لئن زوقتموها لتهلكن". فرفع المسجد الحقيقي بعماره الراكعين الساجدين.