هذه الآية الكريمة هي بشارة الاستخلاف والتمكين الكبرى، ومن أعظم دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ روى الإمام أحمد في مسنده (حديث رقم 21204)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٢٠٤ وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا في السلاح، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟ فنزلت هذه الآية: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ...}".
وروى الطبري (ج19، ص246)مصدر غير محدد١٩/٢٤٦ بسنده عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة قالوا: "أنجز الله هذا الوعد لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه؛ فاستخلفهم في الأرض، ومكن لهم دينهم، وفتح عليهم بلاد فارس والروم، وبدلهم بعد خوفهم أمناً عظيماً، فكانوا ملوك الأرض وسادتها في مشارقها ومغاربها لما أقاموا التوحيد وعبدوا الله وحده لا شريك له".
وبيّن ابن كثير أن هذا الوعد الصادق تحقق أتم تحقق في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين؛ فامتد سلطان الإسلام من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ الأندلس غرباً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ}: الاستخلاف هو جعلهم خلفاء في الأرض يتوارثون ملكها ويسوسون العباد بشرع الله وعدله بدلاً من الطغاة والجبابرة.
{وَلَيُمَكِّنَنَّ}: التمكين التثبيت وجعل الشيء مكيناً راسخاً لا يتزعزع.
{ارْتَضَىٰ}: الرضا بالدين هو اختياره وإعزازه وإظهاره على الدين كله.
الإعراب:
{وَعَدَ اللَّهُ}: فعل ماض مبني على الفتح والله فاعل مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول.
{آمَنُوا مِنكُمْ}: صلة الموصول وجار ومجرور حال.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف ومفعول به منصوب بالكسرة.
{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يستخلفن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والجملة جواب قسم مقدر سد مسد المفعول الثاني لوعد.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلق بيستخلفنهم.
{كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، ما مصدرية أو موصولة، واستخلف ماض، والذين مفعول به، {مِن قَبْلِهِمْ}: متعلق بمحذوف صلة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقع هذه الآية في موقع التتويج التاريخي والحضاري والسياسي لسورة النور؛ فبعد أن بنت السورة صرح العفاف والأسرة، وحاربت الفواحش، وطهرت البيوت، ورسخت نور الإيمان وعمارة المساجد، وطالبت بالطاعة التامة لرسول الله وحكمه، كافأ الله هذه الأمة الطاهرة بوعد الخلافة والتمكين والأمن المطلق في الأرض.
الاشتراط الجوهري الغائي في وسط الآية: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}؛ لبيان أن الاستخلاف ليس غاية لذاته للتسلط والقهر، بل هو وسيلة لإقامة العبودية وتجريد التوحيد، فإن اختل التوحيد سُلب التمكين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز النبوي والتاريخي في تحقق الوعد:
نزلت هذه الآية الكريمة والمسلمون في قلة وضعف وحصار بالمدينة يخافون أن يتخطفهم الناس؛ فجاء الوعد الجازم بالاستخلاف والتمكين والأمن ونشر الدين في آفاق الأرض، وتحقق هذا الوعد بحذافيره في أقل من نصف قرن، وانهارت أعظم إمبراطوريتين في العالم (فارس والروم) تحت أقدام الصحابة الرعاة الأطهار؛ وهذا برهان تاريخي وعقلي معجز على صدق الوحي وأن القرآن كلام رب العالمين.
الرد على شبهة تخلف التمكين في واقع الأمة المعاصر:
التمكين في الآية وعد مشروط بشرطين: {آمَنُوا... وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وبغاية: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}، فإذا تخلفت الأمة عن تحقيق حقيقة الإيمان وفشا فيها الشرك والبدع وفساد الأخلاق وتنازع الأهواء، حُرمت من التمكين بمقتضى العدل وسنن الله الكونية التي لا تحابي أحداً؛ فالخلل في التطبيق البشري لا في الوعد الإلهي.
الالتفات المعجز إلى ضمير التكلم: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}؛ بعد أن كان الحديث بضمير الغيبة {وَعَدَ اللَّهُ}؛ لإبراز شرف العبادة المخلصة المباشرة لله تعالى واختصاصه بها.
تنكير {أَمْنًا} و{شَيْئًا}: للتنكير الإطلاقي؛ فأمناً تاماً عاماً محيطاً من كل خوف، ولا يشركون بي شيئاً من أنواع الشرك الأكبر والأصغر والخفي.
دلالة {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ}: بيان لشدة البلاء والمحنة السابقة التي ميزت الصفوف ومحصت القلوب لتكون أهلاً لتحمل أمانة الخلافة في الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد ومحاربة الشرك: التيقن بأن التوحيد الخالص هو مفتاح النصر والتمكين، وأنه الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمة.
الأمل واليقين بمستقبل الإسلام: الاستبشار بأن العاقبة للتقوى ولدعوة الحق، وأن الاستخلاف قادم متى ما استوفت الأمة شروطه الإيمانية والعملية.
التحذير من كفران النعم: الحذر من تبديل الشكر بالبطر والفسوق عند الرخاء، لئلا يحل بالمسلمين سنن التبديل والاستبدال.