رويت في سبب نزول هذه الآية الكريمة عدة روايات صحيحة رواها الطبري في تفسيره (ج19، ص264)مصدر غير محدد١٩/٢٦٤ وأئمة التفسير:
عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب: "كان أهل المدينة يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج والمريض؛ لأن الأعمى لا يبصر أطايب الطعام، والأعرج يضيق عليه الجلوس فيزاحم، والمريض تعافه النفوس أو لا يستوفي حقه، فأنزل الله رفع الحرج عن مؤاكلتهم رحمة بهم ودمجاً لهم في المجتمع".
وقيل: كان أصحاب العاهات يتحرجون هم أنفسهم من الأكل مع الأصحاء حياءً وإشفاقاً من تقذر الناس منهم، فرخص الله لهم وأزال حرجهم.
وفي قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ}: روى الزهري وقتادة أن الناس كانوا يتحرجون من الأكل في بيوت قراباتهم وأصدقائهم بغير إذن صريح خوفاً من أكل أموال الناس بالباطل، فرفع الله الحرج عن الأكل من بيوت القرابة والصديق إذا علم إذنه ورضاه بالعرف.
وفي قوله: {أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}: نزلت في بني كنانة وبني ليث؛ كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفاً يشاركه، فإن لم يجد بقي جائعاً حتى الليل، فرخص الله لهم في الأكل منفردين أو مجتمعين.
وبيّن ابن كثير أن قوله: {فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} يعني: فليسلم بعضكم على بعض، أو ليسلم الداخل إن لم يجد أحداً: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حَرَجٌ}: الضيق والإثم واللوم.
{مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ}: ما جعل تحت ولايتكم وحفظكم كوكيل أو خازن أو وكيل بستان أو بيت.
{أَشْتَاتًا}: جمع شَتِيت، أي متفرقين منفردين.
الإعراب:
{لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ}: ليس واسمها وخبرها المقدم.
{وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}: معطوفات بتكرار لا لتأكيد رفع الحرج عن كل صنف برأسه.
{وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}: معطوف أيضاً.
{أَن تَأْكُلُوا}: المصدر المؤول في محل نصب بدل من حرج أو مجرور بحرف جر محذوف (في أن تأكلوا).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التشريع الذي يفيض رحمة وألفة وتضامناً اجتماعياً! فبعد أن أحكمت السورة سياج الخصوصية وحرمات البيوت والاستئذان، رفعت الحرج هنا عن مظاهر التكلف والوسوسة الزائدة في العلاقات الأسرية والأخوية الصادقة.
تتويج الدخول بالتحية الإلهية المباركة: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} لنشر السكينة والبركة في البيوت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شروط الأكل من بيوت القرابة والصديق:
هل تباح سرقة الطعام أو أكل ما يدخره الصديق لحاجته الخاصة بغير رضاه؟
الجواب الفقهي المحكم:
الرخصة مقيدة بما جرى به العرف وأذن به الحال وطابت به النفوس؛ فالصديق الصدوق يفرح بأكل صديقه ولا يستوحش منه، والقرابة شأنها التكافل، فيباح الأكل المعتاد غير المضِر ولا المسرف، أما حمل الطعام إلى الخارج أو استهلاك ما شح به صاحب البيت فممنوع عقلاً وشرعاً؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
التعبير بـ {فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}: إيجاز إعجازي فريد؛ جعل المسلم وأخاه كالنفس الواحدة، فسلامك على أخيك المؤمن أو أهل بيتك هو في الحقيقة سلام على نفسك وتكريم لذاتك.