بيّن الطبري (ج19، ص212)مصدر غير محدد١٩/٢١٢ أن اللام في {لِيَجْزِيَهُمُ} لام العاقبة والغاية، أي: فعلوا ذلك وتسبيحهم وخوفهم إنما كان لرجائهم أن يثيبهم الله على طاعاتهم بأحسن الجزاء.
وقال ابن كثير: "قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} أي يتقبل منهم الحسن ويتجاوز عن السيئ، ويعطيهم على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر، {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي يفيض عليهم من كرمه وفضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".
وروى أحمد والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة عطاء الله لأهل الجنة: "إن الله يدخل أهل الجنة الجنة برحمته، ويجزيهم فيها بأعمالهم، ويزيدهم من فضله ما لم تبلغه أعمالهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَحْسَنَ}: اسم تفضيل، وإضافته إلى {مَا عَمِلُوا} تفيد معاملتهم بأعلى مقاييس الفضل؛ فيجعل أعمالهم الحسنة هي المعيار، ويتجاوز عن هناتهم.
{بِغَيْرِ حِسَابٍ}: أي عطاء واسعاً لا يحده عد ولا إحصاء، أو يعطي من يشاء بغير موازنة بين العطاء وكسب العبد لشدة سعة الفضل الإلهي.
الإعراب:
{لِيَجْزِيَهُمُ}: اللام لام التعليل، يجزيهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والهاء مفعول به أول.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَحْسَنَ}: مفعول به ثان منصوب وهو مضاف.
{مَا عَمِلُوا}: ما موصولة أو مصدرية في محل جر مضاف إليه، وجملة عملوا صلتها.
{وَيَزِيدَهُم}: معطوف على يجزيهم منصوب، والهاء مفعول أول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يمثل التتويج الإلهي والجزاء الخاتم لتلك النفوس الزكية التي عمرت المساجد وذكرت الله وترفعت عن فتنة التجارة.
الانتقال البديع من وصف خوفهم في الدنيا {يَخَافُونَ يَوْمًا} إلى أمنهم وجزائهم ومزيد الفضل في الآخرة؛ فمن خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة وأجزل له العطاء.
التقسيم الثلاثي للعطاء الإلهي:
المغفرة والتجاوز بجعل الحساب على {أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}.
الزيادة التفضيلية على الأعمال: {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ}.
الإطلاق الغامر للفيض الإلهي: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين العدل والفضل في الحساب:
كيف يوفى العباد أجورهم بمقتضى العدل ثم يقال {بِغَيْرِ حِسَابٍ}؟
الجواب المحكم:
الجزاء على العمل عدل وإحسان؛ فالحسنة بعشر أمثالها، وهذا له حساب وتقدير معلوم في الشريعة.
أما الزيادة {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} والرزق {بِغَيْرِ حِسَابٍ} فهذا من محض كرم الله وجوده المطلق الذي لا يقاس بجهد العبد القاصر؛ فالعبد يدخل الجنة برحمة الله، وتتوالى عليه النعم الربانية التي لا نهاية لها ولا يدخلها حصر ولا حاسب.
المقابلة الرائعة: بين حساب المخلوق في تجارته الدنيوية التي يدقق فيها على الدرهم والدينار، وبين عطاء الله الأبدي الذي يعطيه بغير حساب ولا مراجعة كرم واسع لا ينضب.
صيغة التفضيل {أَحْسَنَ}: دلالة على كرم الله العظيم، حيث يحاسبهم على أفضل ما صدر منهم فيرفع سائر أعمالهم إلى رتبة ذلك الأحسن، ويمحو السيئات.
تدبر سعة الفضل: أن أمل المؤمن بالله عظيم؛ فرجاؤه لا يقف عند حدود استحقاق عمله الضعيف، بل يتشوف إلى الفضل الزائد الذي لا يحده حد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحسين العمل وبذل الجهد: المسارعة في إتقان العبادات؛ لأن الله يجازي بأحسن ما عمل العبد.
الرجاء وحسن الظن بالله: العمل الصالح مع الطمع واليقين في كرم الله وفضله الزائد، وألا يتكل العبد على عمله بل على رحمة سيده.
السخاء والإنفاق: من استشعر أن رازقه يرزق بغير حساب جادت يده بالبذل ولم يخش من ذي العرش إقلالاً.