روى الطبري (ج19، ص241)مصدر غير محدد١٩/٢٤١ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك أن المنافقين لما افتضح أمرهم بنزول الآيات السابقة الدالة على إعراضهم عن حكم الله ورسوله، جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالأيمان المغلظة: لئن أمرتنا بالخروج معك إلى الجهاد أو بالخروج من ديارنا وأموالنا لنخرجن! فأمر الله نبيه أن يرد عليهم أيمانهم الكاذبة فقال: {قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى عن المنافقين الذين كانوا يحلفون بأغلظ الأيمان للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم سامعون مطيعون، لئن أمرتهم بالخروج لخرجوا، فقال الله لنبيه: {قُل لَّا تُقْسِمُوا} أي لا نحتاج إلى أيمانكم هذه، فإن المطلوب منكم طاعة معروفة صادقة بالاتباع والانقياد لا أيمان كاذبة باللسان وتخلف عند الميدان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}: الجَهْد الطاقة والمشقة، أي حلفوا بأغلظ أيمانهم وأشدها توكيداً واستقصاء.
{طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ}: فيها أوجه إعرابية بديعة:
خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمركم أو شأنكم المطلوب طاعة معروفة لا أيمان كاذبة.
مبتدأ خبره محذوف تقديره: طاعة معروفة أمثل بكم وخير لكم من هذه الأيمان.
الإعراب:
{وَأَقْسَمُوا}: الواو استئنافية، أقسموا ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بأقسموا.
{جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}: جهد مفعول مطلق نائب عن المصدر أو حال منصوبة وهو مضاف، وأيمانهم مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه.
{لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ}: اللام موطئة للقسم، إن شرطية، أمرتهم ماض والتاء فاعل والهاء مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط.
{لَيَخْرُجُنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، يخرجن مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة، والجملة جواب القسم لا جواب الشرط لسد القسم مسد الشرط.
{قُل لَّا تُقْسِمُوا}: قل أمر ولا ناهية وتقسموا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التعري لفضح النفسية النفاقية! فحينما حوصروا ببرهان الآيات السابقة، لجؤوا إلى سلاحهم المعهود: المبالغة في الحلف والأيمان المغلظة بالجهاد والخروج؛ لتغطية خيانتهم في ترك التحاكم العادي الصغير.
الرد الحاسم بكلمتين: {قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ}؛ إسقاط فوري لأقنعتهم، وبيان أن الحق لا يحتاج إلى جعجعة الأيمان الكاذبة، بل يحتاج إلى طاعة هادئة منضبطة معروفة بالصدق.
التذييل بـ {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: تذكير بعلم الله المحيط الذي يعلم نفاقهم وبواطن كذبهم، فلا تغره المظاهر ولا الأيمان المغلظة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التناقض العقلي في سلوك المنافقين:
ناقش القرآن تناقضهم الفاضح: كيف يحلفون على الاستعداد لبذل المهج والأموال في الجهاد الشاق والخروج من الديار، وهم عاجزون وفارّون من الخضوع لحكم الرسول في خصومة مالية تافهة؟! فالذي يعجز عن بذل القليل لا يصدق في بذل الروح والدم، وإنما أرادوا تخدير الرأي العام بالأيمان الفضفاضة.