روى الطبري (ج19، ص250)مصدر غير محدد١٩/٢٥٠ بسنده عن قتادة في قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} قال: "فرائض الله التي افترضها على عباده، أمر بإقام الصلاة في مواقيتها بحدودها وركوعها وسجودها، وبإيتاء الزكاة من طيب أموالهم إلى مستحقيها، وبطاعة الرسول في كل ما جاء به، ووعدهم على ذلك الرحمة فقال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}".
وقال ابن كثير: "عطف هذه الأوامر على وعد الاستخلاف والتمكين؛ لبيان أن دوام النعمة واستمرار الاستخلاف والأمن إنما يكون بالمحافظة على هذه الأركان العظمى، فمن ضيع الصلاة والزكاة وعصى الرسول سلبه الله أمنه ونعمته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَقِيمُوا}: الإقامة هي الإتيان بالشيء مستقيماً تاماً مستوفياً لأركانه وشروطه، وأصلها من القيام.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: لعل للرجاء والترجي من العباد، وهي في كلام الله للتحقيق والتعليل؛ أي لتنالوا رحمته الواسعة وتدوم عليكم نعمه.
الإعراب:
{وَأَقِيمُوا}: الواو عاطفة، أقيموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الصَّلَاةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَآتُوا الزَّكَاةَ}: معطوف بمثله.
{وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}: معطوف بمثله.
{لَعَلَّكُمْ}: لعل حرف مشبه بالفعل واسمها ضمير متصل مبني في محل نصب.
{تُرْحَمُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعل، وجملة لعلكم ترحمون تعليلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التعقيب المباشر على آية الاستخلاف الكبرى! فكأن سائلاً سأل: "ما العمل المطلوب منا عملياً للحفاظ على هذا الاستخلاف والتمكين الموعود؟"، فجاء الجواب الصريح الحاسم: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}.
الترتيب المحكم لقواعد بناء الأمة:
إقام الصلاة (صلة العبد بربه، وعماد الروح والتزكية).
طاعة الرسول (الانضباط السياسي والتشريعي، ووحدة القيادة والمنهج).
الختام بـ {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: تذكير بأن النصر والتمكين والاستخلاف ليس استحقاقاً ذاتياً مجرداً، بل هو تنزل لرحمة الله على عباده المطيعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين العبادة والقوة السياسية والحضارية:
تفند الآية الفكر العلماني الذي يفصل بين التدين والسيادة في الأرض؛ فالقرآن يقرر أن التمكين الحقيقي والأمن المستقر لا يقوم على مجرد القوة العسكرية أو الاقتصادية الصماء، بل يرتكز أولاً على الأساس الأخلاقي والروحي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والالتزام بسنة النبوة؛ فإن انهارت هذه الأعمدة انهارت الدولة وسقطت الحضارة من داخلها.