روى الطبري (ج19، ص233)مصدر غير محدد١٩/٢٣٣ وابن أبي حاتم والواحدي في أسباب النزول عن قتادة ومجاهد أن هذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين خاصم رجلاً من اليهود في أرض أو حق، فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما؛ لأن اليهودي علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة ولا يقضي إلا بالحق والعدل، فأبى المنافق وقال: ننطلق إلى كعب بن الأشرف ليحكم بيننا! خوفاً من أن يحكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق.
وبيّن ابن كثير أن هذا المقطع يفضح المنافقين الذين يظهرون الإيمان والطاعة بألسنتهم كذباً، فإذا جاء وقت التحكيم والتسليم العملي تولوا وأعرضوا، فحكم الله عليهم بحكم قاطع: {وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَتَوَلَّىٰ}: الإعراض والانصراف عن الحق وترك الامتثال.
{ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ}: ثم حرف عطف للتراخي واستبعاد الحال، يتولى مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{فَرِيقٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنْهُم}: جار ومجرور نعت لفريق.
{مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ}: جار ومجرور واسم إشارة ومضاف إليه متعلقان بيتولى.
{وَمَا أُولَٰئِكَ}: الواو حالية، ما نافية تعمل عمل ليس، أولئك اسم إشارة مبني في محل رفع اسمها.
{بِالْمُؤْمِنِينَ}: الباء حرف جر زائد للتوكيد، المؤمنين مجرور لفظاً بالياء منصوب محلاً خبر ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التقابل في السورة! قابل بين المؤمنين الحقيقيين الذين تعمر قلوبهم بنور الله ولا تلهيهم تجارة ولا بيع، وبين المنافقين الذين يتشدقون بالإيمان كذباً، فإذا دعوا إلى حكم الشرع تولوا.
التعبير بـ {ثُمَّ} الدالة على التراخي والغرابة: لإظهار مدى الشناعة والتناقض الفاضح بين دعواهم العريضة {آمَنَّا... وَأَطَعْنَا} وبين سلوكهم المتخاذل في التولي عند أول محك واختبار عملي.
الخاتمة الحاسمة بنفي الإيمان عنهم: {وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}؛ لتقرير قاعدة أن الإيمان قول وعمل وتسليم، فمن عطل التسليم لحكم الرسول سلب عنه وصف الإيمان الصادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
قاعدة انتفاء الإيمان عند رد حكم الشرع:
قرر أئمة التحقيق (كابن تيمية وابن القيم وابن كثير) أن هذه الآية أصل قطعي في أن التحاكم إلى غير ما أنزل الله والنفور من حكم الله ورسوله ناقض لحقيقة الإيمان؛ كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
رد شبهة الاكتفاء بالدعوى اللسانية: لا يقبل في ميزان الإسلام إيمان أجوف يقوم على التشدق بالألفاظ مع معارضة التطبيق، فالإيمان الحقيقي هو الذي يصدقه العمل والانقياد التام.
توكيد النفي بالباء الزائدة: {بِالْمُؤْمِنِينَ}؛ لتأكيد استئصال الإيمان من قلوبهم ونفي أي حظ لهم فيه لكونهم اتخذوا الدين شعاراً مخادعاً دون التزام بحكمه.
استخدام اسم الإشارة للبعيد {أُولَٰئِكَ}: للتحقير والإبعاد والتنديد بسوء صنيعهم ودناءة طويتهم.
تدبر خطورة النفاق العملي: أن يحرص المسلم على فحص قلبه وسلوكه؛ هل يقبل حكم الله ورسوله إذا خالف هواه ومصالحه الشخصية، أم يتولى كما تولى أولئك المنافقون؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مطابقة القول للعمل: الحذر البالغ من النفاق، وأن تكون الطاعة لله ورسوله واقعاً سلوكياً ومعياراً حاكماً في الخصومات والأموال والمعاملات.
التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه: التسليم المطلق لأحكام الشريعة والرضا بقضاء القضاء الشرعي وإن خالف رغبة النفس.
فضح ازدواجية المعايير: إدراك الداعية لطبيعة التيارات النفاقية في كل زمان، والتي تدعي احترام الدين نظرياً بينما تحاربه وتعرض عنه عند التطبيق العملي.