روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص166)مصدر غير محدد١٩/١٦٦ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والزهري أن الصحابة لما نزل النهي عن دخول البيوت بغير إذن تحرجوا وخافوا، وقالوا: يا رسول الله، كيف بتجارنا وأصحابنا الذين ينزلون الخانات (الفنادق) وبيوت القوافل ودور التجارة والمحطات في الطرق وليس فيها أهل يسكنونها؟ فأنزل الله رخصة وتيسيراً: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}.
وبيّن ابن كثير أن البيوت غير المسكونة تشمل: الخانات، والفنادق العامة، ومحطات السفر، والمستودعات المهيأة لمن له فيها مصلحة أو حاجة؛ فرفع الله الحرج عن دخولها بلا استئذان لتحقق المصلحة وانتفاء مفسدة هتك العورات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جُنَاحٌ}: الإثم والمشقة والحرج، مأخوذ من الجنوح وهو الميل عن القصد.
{مَتَاعٌ}: كل ما ينتفع به ويتبلغ به من منفعة كنزول واستظلال واستيداع بضاعة وقضاء حاجة، ولا يقتصر على الأثاث فقط بل يشمل المنفعة.
الإعراب:
{لَّيْسَ}: فعل ماض ناقص ناسخ يفيد النفي.
{عَلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم.
{جُنَاحٌ}: اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَن تَدْخُلُوا}: أن مصدرية وتدخلوا فعل مضارع منصوب، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف (في أن تدخلوا) متعلق بجناح أو هو بدل منه.
{بُيُوتًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{غَيْرَ}: نعت لبيوتاً منصوب وهو مضاف، {مَسْكُونَةٍ}: مضاف إليه مجرور.
{فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}: جملة اسمية في محل نصب نعت ثان لبيوتاً (فيها خبر مقدم ومتاع مبتدأ مؤخر ولكم نعت لمتاع).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستثناء التشريعي الرائع جاء في موضعه المحكم؛ فبعد التغليظ في حرمة البيوت الخاصة المسكونة وطلب الاستئناس، جاء بيان رفع الحرج عن المرافق العامة التي بنيت لمصالح الناس المشتركة.
التوازن بين الحزم واليسر: التشريع الإسلامي يغلق أبواب المفاسد دون أن يوقع الناس في الحرج والمشقة في معاملاتهم وأسفارهم وتجاراتهم.
الختام الرقابي الصارم: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} تنبيه إلى أن الرخصة مقيدة بقصد الانتفاع والمتاع، فلا يستغل أحد دخول الأماكن العامة للتجسس أو الخيانة أو إضمار الشر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على شبهة انتهاك الخصوصية في الأماكن العامة:
قد يقال: كيف تباح البيوت غير المسكونة بدون إذن؟
الجواب الفقهي العقلي: العلة في وجوب الاستئذان هي صيانة العورات ومنع الاطلاع على أسرار الساكنين؛ وهذه العلة منتفية في الدور العامة المعدة للمارة والتجار والنزلاء والمسافرين، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، واشتراط الاستئذان في الخانات ومحطات السفر يعطل مصالح الناس العامة ويوقعهم في الحرج البالغ المنفي بنصوص الشريعة {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
تدبر شمولية الشريعة: كيف نظمت أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والعمرانية بين الملكية الخاصة المقيدة بالحرمة، والمرافق العامة المفتوحة للنفع المشترك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه الرخص واليسر في الدين: تعليم الناس أن الشريعة جاءت لحفظ المصالح ورفع الآصار والأغلال.
المراقبة الذاتية في الأماكن العامة: استشعار علم الله عند ارتياد الفنادق والأسواق والمرافق الخدمية، وألا يتخذ العبد من غياب الرقيب البشري سبيلاً للمنكر.
احترام الملكيات المشتركة: المحافظة على مرافق النفع العام وصيانتها؛ لأنها معدة لانتفاع جميع المسلمين.