بيّن الطبري في جامع البيان (ج19، ص251)مصدر غير محدد١٩/٢٥١ أن المعنى: لا تحسبن يا محمد هؤلاء الكافرين بالله ورسوله معجزين الله بالهرب في أقطار الأرض حتى يعجزوه ويفوتوه، بل هم في قبضته وتحت سلطانه أينما ساروا، ومأواهم ومصيرهم الذي ينتهون إليه هو نار جهنم، ولبئس المستقر والمنقلب.
وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص بالتاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم {لَا تَحْسَبَنَّ}، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بالياء {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ أي لا يحسبن الكافرون أنفسهم معجزين لله.
وقال ابن كثير: "أي لا تظنهم يفوتون الله ويهربون منه في الأرض، بل هو قادر عليهم ومحيط بهم، وسيجازيهم على كفرهم أشد الجزاء في نار جهنم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُعْجِزِينَ}: الإعجاز هو إيقاع العجز في الآخر، والمراد: مفلتين وسابقين لقدرة الله.
{الْمَصِيرُ}: المرجع والمآل.
الإعراب:
{لَا تَحْسَبَنَّ}: لا ناهية، تحسبن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (على قراءة الخطاب).
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول لا محل لها.
{مُعْجِزِينَ}: مفعول به ثان لتحسبن منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بمعجزين أو بمحذوف حال.
{وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم أو لام الابتداء، بئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، المصير فاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي (النار).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع مجيء هذه الآية بعد وعد الاستخلاف والتمكين والأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة! فكأن نفساً قد يخالجها تساؤل: "كيف يتحقق التمكين والأمن بينما قوى الكفر والطغيان تملك الجيوش والثروات والعتاد في الأرض؟"، فجاء الرد الإلهي القاطع: لا تحسبنهم بقوتهم وظلمهم معجزين لله أو قادرين على تعطيل وعده.
الربط بين محاصرتهم في الدنيا {فِي الْأَرْضِ} وعذابهم في الآخرة {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}؛ فلا نجاة لهم في الدنيا بهرب، ولا خلاص لهم في الآخرة من الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على الاغترار بالقوة المادية للظالمين:
برهان عقلي قطعي: القوة المادية مهما بلغت محدودة بحدود الزمان والمكان الأرضي، وهي مخلوقة خاضعة لنواميس القاهر فوق عباده؛ فالظالم مهما تجبر فإنما يتحرك داخل ملك الله، ولا يمكن لمخلوق أن يخرج عن سلطان خالقه، فإذا جاء أجلهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولم تغن عنهم قوتهم شيئاً.