روى الطبري (ج19، ص208)مصدر غير محدد١٩/٢٠٨ بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان في السوق فأُقيمت الصلاة، فرأى أهل السوق أغلقوا حوانيتهم وقاموا إلى المسجد، فقال ابن عمر: "في هؤلاء نزلت هذه الآية: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ}".
وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه، وقال: "هم قوم يبيعون ويبتاعون، ولكن إذا سمعوا النداء بالصلاة لم يشغلهم بيعهم ولا شراؤهم حتى يمضوا إلى الصلاة".
وبيّن ابن كثير أن الله لم يمدحهم بترك التجارة والبيع؛ بل مدحهم بأنهم مع مباشرتهم لأسباب الدنيا والعمل والكسب الشريف، لا تشغلهم تلك المكاسب الدنيوية الفانية عن حق الله والواجب الأكبر في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تُلْهِيهِمْ}: الإلهاء هو شغل القلب والحواس عما هو أهم بما هو أدنى.
{تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ}: التجارة تقال لتقليب المال بالتربح العام الكلي، والبيع هو العقد المعين؛ فعطف البيع على التجارة من عطف الخاص على العام لبيان أنهم لا يلهيهم الاستثمار الطويل ولا الصفقات الحاضرة العاجلة.
{تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}: تضطرب وتتحول؛ القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين النظر إلى جهات الفزع وخفضها من هول المشهد.
الإعراب:
{رِجَالٌ}: فاعل لفعل {يُسَبِّحُ} في الآية السابقة على قراءة البناء للمعلوم، أو مبتدأ خبره جملة {لَّا تُلْهِيهِمْ}، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم رجال.
{لَّا تُلْهِيهِمْ}: لا نافية، تلهيهم مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به.
{تِجَارَةٌ}: فاعل تلهيهم مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَلَا بَيْعٌ}: الواو عاطفة ولا لتأكيد النفي وبيع معطوف على تجارة.
{عَن ذِكْرِ اللَّهِ}: متعلقان بتلهيهم.
{وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}: معطوف مجرور، وحذفت التاء من "إقامة" للإضافة تخفيفاً.
{يَوْمًا}: مفعول به ليخافون منصوب، وجملة {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} في محل نصب نعت ليوماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع وصف عمار المساجد بالرجولة الحقيقية! فبعد أن ذكرت المساجد المرفوعة، بيّنت الآية نوعية النفوس التي تعمرها؛ إنهم ليسوا رهباناً انعزلوا عن الحياة، بل هم رجال يضربون في أسواق الأرض للتجارة، لكن أرواحهم معلقة برب العزة.
المقابلة البلاغية بين تقليب المال في التجارة وبين {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}؛ فتركوا تقليب المكاسب العاجلة خوفاً من ذلك التقلب الرهيب يوم الحساب.
ترتيب أركان الدين: بدأ بذكر الله المحيط، ثم عمود الإسلام العملي (إقام الصلاة)، ثم الركن المالي الاجتماعي (إيتاء الزكاة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مفهوم الرجولة في القرآن الكريم:
لم يقصر القرآن وصف الرجولة على الذكورة البيولوجية؛ فالذكورة طبيعة خِلقة، أما الرجولة فوصف كمال في الثبات والوفاء والسمو؛ كما قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
التوفيق بين العمل في السوق والعبادة: تدفع الآية شبهة التناقض بين العمل الدنيوي والتدين الحق؛ فالإسلام لا يطلب من المسلم ترك كسب الرزق، بل يطالبه بضبط أولوياته بحيث تكون الدنيا في يده لا في قلبه، فإذا نادى منادي الله كانت الآخرة هي المقدمة دون تردد.
تنكير {رِجَالٌ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي أيّ رجال هم! رجال اكتملت فيهم معاني الشجاعة والهمة والعزيمة.
التعبير بـ {إِقَامِ الصَّلَاةِ} بحذف التاء: إيجاز رشيق يدل على سرعة المبادرة والنشاط في أدائها دون تباطؤ أو تثاقل.
تصوير الهول في {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}: مشهد حركي ترتجف له الفرائص؛ فالقلوب ترتفع حتى تبلغ الحناجر وتتقلب خوفاً ورجاءً، والأبصار تدور شاخصة من شدة الفزع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توازن المسلم بين واجبات المعاش والعبادة: إتقان العمل التجاري والمهني دون أن يكون ذلك حائلاً دون أداء الصلاة في وقتها مع الجماعة.
مراقبة اليوم الآخر: استحضار مشاهد القيامة وأهوالها كرادع قلبي يحمي المسلم من الغش والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل في الأسواق.
الرجولة الإيمانية في الميدان: تربية الشباب على أن مقياس الرجولة الصادقة هو الثبات على المبدأ، وصيانة الواجبات الدينية أمام بريق المغريات المادية.