روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص273)مصدر غير محدد١٩/٢٧٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} قال: "كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله".
وقال قتادة ومجاهد: "لا تجعلوا دعاءه إياكم إذا دعاكم لأمر كدعاء بعضكم بعضاً إن شئتم أجبتم وإن شئتم تخلفتم، بل دعاؤه فرض عيني تجب إجابته فوراً".
وروى الطبري وابن إسحاق في قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا}: "كان المنافقون يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع الخطبة، أو عند النفير في الغزو، فيستتر المنافق بصاحبه ليلوذ به وينسل رويداً رويداً حتى يخرج من غير علم الرسول، ففضحهم الله".
وقال ابن كثير: "قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي فليحذر من خالف شريعة الرسول باطناً أو ظاهراً أن تصيبه فتنة في قلبه من كفر أو نفاق أو بدعة، أو يصيبه عذاب أليم في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو في الآخرة بنار جهنم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَتَسَلَّلُونَ}: يخرجون خفية وسراً واحداً تلو الآخر بخفة ومكر.
{لِوَاذًا}: مصدر في موضع الحال من لاذ يلوذ، أي يلاوذ بعضهم ببعض؛ فيستتر هذا بذاك حتى يخرج متوارياً.
{يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}: عُدّي المخالفة بـ (عن) لتضمينها معنى يصدون أو ينحرفون أو يخرجون عن أمره؛ فالمخالفة عن الشيء أبلغ من مخالفته.
{أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ}: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به ليحذر أو مجرور بحرف جر محذوف (من أن تصيبهم)، وتصيبهم مضارع ومفعول وفتنة فاعل مؤخر.
{أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: معطوف بمثله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التعقيب الصارم على الاستئذان النبوي! فبعد أن مدح المؤمنين الذين لا ينصرفون إلا بإذنه، التفت إلى زجر المنافقين الذين ينسلون سراً كالثعالب الماكرة، مهدداً إياهم بعلم الله المحيط بهم.
توجيه الحذر الشديد إلى كل من يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته؛ ليقرر أن التسلل والانصراف عن أمره ليس مجرد سوء أدب، بل هو مدخل الكفر والفتنة والهلاك.
التقسيم الترهيبي الدقيق للعقوبة:
الفتنة في القلب في الدنيا (بالزيغ والنفاق وقسوة القلب والبدعة).
العذاب الأليم في الدنيا والآخرة (بالقوارع والمصائب ونار جهنم).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة أصولية كبرى: الأمر المطلق يفيد الوجوب والتحذير من معارضة السنة:
استدل أئمة الأصول والفقه (كالإمام الشافعي والإمام أحمد) بهذه الآية على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم المطلق يقتضي الوجوب الفوري، وأن مخالفة سنته محرمة موجبة للعقوبة؛ لأنه رتب على مخالفة أمره إصابة الفتنة أو العذاب الأليم، وذلك لا يكون إلا على ترك واجب قطعي أو فعل محرم.
الرد على من يقدم العقل أو الهوى على النص: كل من رد سنة صحيحة بدعوى معارضة العقل أو ذوق العصر مهدد بنص الآية بفتنة تطمس بصيرته حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً.
الرسم الحركي الفاضح في {يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا}: إبداع تصويري يبين دناءة المنافق وخسته؛ فهو يتحين الفرص، وينحني خلف ظهور إخوانه، ويلوذ بجدار أو إنسان لينسل خلسة هرباً من الواجب.
التضمين البلاغي في {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}: تضمين معنى الإعراض والصد؛ أي ينحرفون عن أمره مائلين إلى غيره.
تدبر خطورة البدع: أن الانحراف عن السنة النبوية ولو بقيد أنملة يفتح على صاحبه أبواب الشبهات وقسوة القلوب والفتن التي لا خروج منها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير الجناب النبوي ومحبته: تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقير اسمه الشريف، والصلاة والسلام عليه عند ذكره، والتأدب عند سماع أحاديثه.
الاستسلام والانقياد للسنة: الحذر الشديد من رد أي حديث صحيح أو التهاون في تطبيقه.
اليقظة لمكر المنافقين: كشف أساليب التسلل والتهرب من المسؤوليات العامة والمواقف المصيرية التي تحتاج إلى صراحة وثبات.