أجمع المفسرون على أن هذه الآية الكريمة نزلت في الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه؛ روى البخاري (حديث رقم 4757)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٥٧ ومسلم (حديث رقم 2770)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٠ من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل في حديث الإفك: "فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره -: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً".
روى الطبري (ج19، ص144)مصدر غير محدد١٩/١٤٤ بسنده عن ابن عباس والحسن وقتادة نحو هذا، مبيناً أن الآية من أرجى آيات كتاب الله وأعظمها في الحث على مكارم الأخلاق وسعة الصدر ومقابلة الإساءة بالإحسان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا يَأْتَلِ}: أصل الكلمة من الأَلِيَّة وهي اليمين والحلف، يقال: آلى يؤلي إيلاءً إذا حلف، وافتعل منه: ائتلى يأتلي، أي: لا يحلف. وقيل: من أَلَوْتُ أي قصرت وأبطأت، والمعنى: لا يقصر ولا يحلف، والمعنى الأول هو الأظهر المأثور عن جمهور اللغويين.
{أُولُو الْفَضْلِ}: أولو ملحق بجمع المذكر السالم، والفضل: الزيادة في الدين والمروءة والمنزلة، والسعة: الغنى والوفرة المالية.
الإعراب:
{وَلَا يَأْتَلِ}: الواو عاطفة أو استئنافية، لا ناهية جازمة، يأتل فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، وعلامة جزمه الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة.
{أُولُو}: فاعل مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{الْفَضْلِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{أَن يُؤْتُوا}: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به على إسقاط الخافض، أي: على ألا يؤتوا، أو كراهة أن يؤتوا.
{أَلَا تُحِبُّونَ}: ألا أداة عرض وتحضيض، تحبون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يمثل موقع هذه الآية ذروة السمو الأخلاقي في التشريع الإسلامي؛ فبعد تطهير المجتمع من إثم القذف وفضح المنافقين وبيان براءة الطاهرة عائشة، توجه الخطاب لترميم النسيج الاجتماعي ورأب الصدع القلبي والأسري.
التفات الخطاب إلى أبي بكر ومن على شاكلته بصفة {أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ} شهادة ربانية معصومة بفضل أبي بكر ودينه وسعة مروءته حتى في لحظة غضبه المشروع لابنته وعرضه.
الربط بين جزاء العبد لأخيه وجزاء الله للعبد {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} صياغة محكمة لعقد الإحسان؛ فالجزاء من جنس العمل، من عفا عفي عنه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
استدلال أهل السنة بفضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
استنبط أئمة التفسير كابن كثير والقرطبي من هذه الآية دليلاً قاطعاً على فضل الصديق؛ حيث سماه الله صاحب فضل وسعة، ولم يسلب عنه هذا الوصف عند يمينه وغضبه، بل رقّاه إلى أعلى مراتب الإحسان بالعفو والصفح.
دفع شبهة: كيف يؤمر بالإنفاق على من شارك في الإفك؟
الجواب: مسطح رضي الله عنه كان بدرياً مهاجراً وقعت منه هفوة عوقب عليها بالحد، والحد كفارة لذنبه وطهارة له، وبقاء قرابته وفقره وهجرته في سبيل الله مقتضيات للصلة، والشريعة لا تهدر سوابق الفضل بالكبائر إذا تاب العبد وأقيم عليه الحد، بل تحث الأولياء على الترفع عن الانتقام الشخصي ابتغاء مغفرة الله.
الاستفهام التحضيضي المشوق: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، استثارة للوجدان الإيماني بألطف أسلوب، يجعل النفس تبادر فوراً بالاستسلام كما قال الصديق: "بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا".
الجمع بين {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا}: العفو ترك العقوبة، والصفح محو أثر الذنب من القلب وإعراض عن لومه، وهو أعلى درجات التسامي.
الجمع بين الأوصاف الثلاثة لمسطح {أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: إبراز لجهات استحقاقه الصدقة ليرق قلب أبي بكر له من جوانب الرحم والفقر ونصرة الدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خلق التسامي والتجاوز: تربية النفس المؤمنة على عدم استدامة الخصومة، وألا يكون الانتقام للنفس سبباً في منع الإحسان.
الجزاء من جنس العمل: من عامل عباد الله بالعفو والصفح والكرم عامله الله بالمغفرة والرحمة الواسعة.
التراجع الفوري عند التذكير بكلام الله: الاقتداء بامتثال أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي لم يتلكأ ثانية واحدة عندما سمع نداء ربه، فعاد إلى أضعاف ما كان ينفق مع القسم بعدم قطعه أبداً.