روى الطبري (ج19، ص156)مصدر غير محدد١٩/١٥٦ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل الآية وجوه أصحها: "الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام"، وقال: نزلت في أهل الإفك؛ فالكلام الخبيث لا يليق إلا بالمنافقين الخبثاء، والكلام الطيب لا يصدر إلا من المؤمنين الأطهار.
وذهب مجاهد وقتادة وعكرمة وابن زيد إلى أن المراد بالأشخاص: "الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء".
ورجح ابن كثير والقرطبي أن المعنيين متلازمان؛ فالله سبحانه جعل عائشة طيبة لأنها زوجة أطيب البشر محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كانت خبيثة - وحاشاها - لما جعلها الله تحت نبيه ورسوله الأكرم، فطهارتها تابعة لطهارة النبي، ومن رماها بالخبث فقد نسب الخبث إلى بيت النبوة، وذلك أعظم الكفر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْخَبِيثَاتُ}: جمع خبيثة، والخبيث ما يكره لرداءته وخسته سواء في الأقوال أو الأفعال أو الذوات.
{مُبَرَّءُونَ}: اسم مفعول من برّأ، أي منزهون ومطهرون مما ينسبه إليهم أهل الإفك والبهتان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه الآية تمثل الخاتمة المنطقية والبرهان الفطري العقلي القاطع لقصة الإفك؛ حيث أرست قاعدة التشاكل والتناسب الكوني والنفسي بين الخبيث والخبيث، والطيب والطيب.
الانتقال البديع من أحكام العقوبات الفقهية والوعيد الأخروي إلى تقرير سنة الله في خلقه: أن النفوس الطيبة تألف الطيبات وتستحق التكريم الإلهي.
ختام الآية بالبشارة العظمى: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، نكاية بالمنافقين الذين أرادوا تدنيس عرض الصديقة، فرفعها الله في عليين ووعدها بالرزق الكريم في جنات النعيم زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال العقلي حول زوجتي نوح ولوط عليهما السلام:
كيف تكون الخبيثات للخبيثين وقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط تحت عبدين من عبادنا صالحين وهما كافرتان؟
الجواب المحكم الذي قرره ابن عباس وأئمة التفسير:
لم تبغ امرأة نبي قط؛ فالخيانة المذكورة في سورة التحريم {فَخَانَتَاهُمَا} إنما هي خيانة الدين والنفاق والمؤامرة، لا خيانة الفاحشة والزنا؛ حماية لرسل الله وصيانة لأعراضهم عن دنس العار الاجتماعي الذي ينفر الناس عن دعوتهم.
أما خيانة الكفر فقد تقع ابتلاءً واختباراً، فلما ثبتت عصمة فراش الأنبياء من الزنا عقلاً ونقلاً، ثبت بطلان ما رُميت به عائشة رضي الله عنها بالضرورة؛ لأنها فراش سيد المرسلين وخاتم النبيين وأكرمهم على الله، فاستحال أن تكون إلا طيبة مطهرة.