بيّن الطبري في تفسيره (ج19، ص150)مصدر غير محدد١٩/١٥٠ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، لكون من رماهن فقد طعن في النبي صلى الله عليه وسلم وكفر بالله، وقيل: هي عامة في كل محصنة مؤمنة إلى يوم القيامة، واختاره جمهور المفسرين مع كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم السبب الأول والأشد دخولا فيها.
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات... وعد منها: وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
قال ابن كثير (ج6، ص41)مصدر غير محدد٦/٤١: "هذا وعيد شديد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات؛ فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْمُحْصَنَاتِ}: العفائف الطاهرات، من الحصانة وهي المنعة والصيانة.
{الْغَافِلَاتِ}: السليمات الصدور اللاتي ليس في قلوبهن ريبة ولا يطرأ على بالهن فعل الفاحشة لشدة براءتهن وطهارتهن، وهو مدح عظيم بسلامة الطوية ونقاء الفطرة.
الإعراب:
{إِنَّ الَّذِينَ}: إن حرف توكيد ونصب، الذين اسمها مبني في محل نصب.
{الْمُحْصَنَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة، و{الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} نعتان منصوبان بالكسرة.
{لُعِنُوا}: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على الضم، والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: متعلقان بالفعل لعنوا، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: الواو عاطفة، لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر، وعظيم نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن فصّل الله في الآيات السابقة حكم القذف العام وبيّن قبول التوبة لمن تاب وأصلح، جاءت هذه الآية بلهجة وعيد مغلظة وحكم باللعن في الدارين؛ لتقطع أطماع المنافقين المصرين على الخبث وتفضح مراد من قصد الطعن في بيت النبوة الطاهر.
الترتيب الدقيق للأوصاف الثلاثة: {الْمُحْصَنَاتِ} (العفاف السلوكي والظاهر)، ثم {الْغَافِلَاتِ} (النقاء الباطني وسلامة السريرة)، ثم {الْمُؤْمِنَاتِ} (الجامع للإيمان بالله ورسوله)؛ ليكتمل مشهد النقاء والفضيلة الذي اعتدى عليه القاذف الأثيم.
النظم قاطع في إحباط مساعي المنافقين وتقرير العقوبة الأخروية العظمى مع اللعنة الدنيوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل الآية خاصة بأمهات المؤمنين أم عامة؟
اختلف الفقهاء والمفسرون:
ذهب قوم إلى أنها خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قذفهن كفر مخرج من الملة موجب للخلود في النار واللعن المؤبد لانتهاك حرمة النبوة.
وذهب الجمهور إلى أنها عامة في كل مسلمة محصنة غافلة، والوعيد باللعن والعذاب العظيم يترتب على الكبيرة إذا لم يتب صاحبها، وتكون أمهات المؤمنين في الذروة القطعية من هذا المعنى.
الجمع العقلي: لا تعارض بين عموم اللفظ وخصوص سبب النزول، فقذف أي مؤمنة كبيرة من الموبقات، وقذف أمهات المؤمنين كفر وردة بالإجماع؛ لما فيه من تكذيب صريح للقرآن والطعن المباشر في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
استخدام وصف {الْغَافِلَاتِ} في معرض المدح: البلاغة المعجزة في قلب دلالة الغفلة - التي تكون مذمومة غالباً - إلى أجلّ صفات الشرف؛ فالمرأة العفيفة غافلة عن طرق الفساد، بريئة من حيل السوء، لا تفقه معاني الخنا.
البناء للمجهول في {لُعِنُوا}: إشارة إلى أن اللعنة لحقت بهم من الله وملائكته ورسوله وجميع المؤمنين، فصارت اللعنة كأنها طوق لازم لأعناقهم لا ينفك عنهم.
قبح جريمة القذف: الآية ترسم بشاعة انتهاك الستر العفيف، حيث يتسلط الخبيث على قلب غافل نقي لا يدري بما يحاك ضده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة حرمات المسلمات وسلامة الألسن: التحذير البالغ من خوض اللسان في أعراض البريئات، واستشعار خطورة لعنة الله في الدنيا والآخرة.
غرس فضيلة الغفلة عن السوء: تربية فتيات المسلمين على نقاء السريرة والعفة الفكرية، بحيث تترفع الفتاة عن معرفة سبل الخنا أو الاقتراب من مواطنه.
الولاء التام لبيت النبوة: ترسيخ عقيدة محبة أمهات المؤمنين وبراءتهن وطهارتهن، واعتبار الطعن فيهن طعناً في الدين وأساس الملة.