بيّن الطبري (ج19، ص232)مصدر غير محدد١٩/٢٣٢ أن الله تعالى يمتن على خلقه بإنزال الآيات الواضحات في القرآن العظيم؛ الموضحات للحق والسبل المنجية، والمفصلات للأدلة الكونية والتشريعية التي سبقت في السورة.
وقوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يوفق من سبقت له السعادة وعلم الله منه الإنابة إلى دين الإسلام وطريق الحق والجنة، ويخذل من تكبر وعاند.
وقال ابن كثير: "آيات واضحات الدلالة على التوحيد والحق المبين، والله يهدي من يشاء من خلقه إلى الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: الصراط هو الطريق الواسع الواضح الذي لا اعوجاج فيه، والمستقيم المعتدل الذي يوصل سالكه إلى رضوان الله وجنته.
الإعراب:
{لَّقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{أَنزَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{آيَاتٍ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
{مُّبَيِّنَاتٍ}: نعت منصوب بالكسرة.
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، الله مبتدأ مرفوع.
{يَهْدِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والفاعل مستتر يعود على الله، والجملة خبر المبتدأ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موضع هذه الآية الكريمة! جاءت كخلاصة جامعة وبلسم إيماني بعد استعراض الآيات الكونية الكبرى (تسبيح الكائنات، المطر والبرد، تقليب الليل والنهار، خلق الدواب من ماء).
الربط بين كتاب الله المسطور (القرآن والآيات المبينات) وبين كتاب الله المنظور (الكون الفسيح)؛ فكلاهما يدعو إلى الصراط المستقيم.
التمهيد المباشر لفضح المنافقين في الآيات التالية؛ فبعد أن بين وضوح الآيات وهداية الله لمن يشاء، كشف حال الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ثم يعرضون عن صراط الله ورسوله إذا تعارض مع أهوائهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين إنزال الآيات المبينات للجميع وتخصيص الهداية بالمشيئة:
الإشكال: إذا كانت الآيات مبينات واضحة، فلماذا لا يهتدي بها كل الناس؟
الجواب المحكم بالأصول التفسيرية والعقلية:
الهداية نوعان:
هداية الدلالة والإرشاد والبيان: وهذه عامة لجميع البشر أنزل الله بها الآيات المبينات وأرسل بها الرسل فلا حجة لأحد.
هداية التوفيق والإلهام وشرح الصدر: وهذه خاصة بمن علم الله فيهم الصدق وطلب الحق بمقتضى مشيئته وحكمته العادلة؛ أما المتكبرون المعاندون فيحرمون من التوفيق جزاء كبرهم وإعراضهم.