روى الطبري (ج19، ص236)مصدر غير محدد١٩/٢٣٦ بسنده عن قتادة في تأويل الآية: "هذا تقريع من الله للمنافقين؛ أفي قلوبهم مرض النفاق، أم ارتابوا في دينهم وشكوا في وعد الله ورسوله، أم يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله في الحكم؟! كلا والله، ما خافوا جوراً، ولكنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجور، وأن حكمه بالحق، فكرهوا الحق".
وقال ابن كثير: "لا يخرج أمرهم عن أحد هذه الأقسام الثلاثة: إما أن يكون في قلوبهم مرض متأصل وهو النفاق والفساد، أو طرأ عليهم شك وارتياب في صدق الرسالة، أو خافوا أن يظلمهم الله ورسوله في الحكم؟ وحاشا لله ورسوله من الجور والظلم! {بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بإعراضهم عن العدل المحض".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَّرَضٌ}: مرض الشبهة والشك والفساد الباطن.
{ارْتَابُوا}: شكوا وترددوا ولم يستقر الإيمان في نفوسهم.
{يَحِيفَ}: الحَيْف هو الجور والميل عن العدل والظلم في الحكم، حاف يحيف حيفاً.
{أَن يَحِيفَ}: أن مصدرية ويحيف مضارع منصوب بأن، والله فاعل ورسوله معطوف وعليهم متعلق بيحيف، والمصدر المؤول مفعول به ليخافون.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال.
{أُولَٰئِكَ}: مبتدأ، {هُمُ}: ضمير فصل أو مبتدأ ثان، {الظَّالِمُونَ}: خبر أولئك أو خبر هم والجملة خبر أولئك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا السبر والتقسيم المنطقي الحاسم! القرآن الكريم يحاصر أعماق المنافقين بثلاثة احتمالات حاصرة تكشف علة فرارهم من التحاكم:
مرض النفاق المستحكم.
الشك والارتياب المفاجئ.
الخوف من ظلم القاضي وحيفه.
ثم جاء الإضراب بـ {بَلْ} ليبطل الاحتمال الأخير بطلاناً قاطعاً؛ فحكم الله ورسوله منزه عن الحيف قطعاً، وإنما الدافع الحقيقي هو أنهم هم الظالمون الباغون الذين يريدون أكل حقوق الناس بالباطل ويخشون عدالة الشرع الصارمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة الحيف في الشريعة الإلهية:
برهان عقلي قاطع: الحيف في الحكم البشري ينشأ إما عن جهل القاضي بالحقائق، أو عن حاجته وفقره للرشوة، أو عن هوى وقرابة ومحسوبية؛ والله جل جلاله غني عن العالمين، عليم بذات الصدور، عدل لا يظلم مثقال ذرة، ورسوله صلى الله عليه وسلم معصوم مؤيد بالوحي لا ينطق عن الهوى؛ فمن توهم الحيف في شريعة الله فقد جمع بين الكفر بالله والجهل المطبق بكماله سبحانه.