روى الطبري (ج19، ص240)مصدر غير محدد١٩/٢٤٠ بسنده عن قتادة في قوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال: "فيما أُمِر به ونُهي عنه"، {وَيَخْشَ اللَّهَ}: "على ما مضى من ذنوبه"، {وَيَتَّقْهِ}: "فيما يستقبل من عمله بطاعته واجتناب معاصيه"، {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}: "الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة ونيل رضوان الله".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "الفائزون: الذين نجوا من كل شر ونالوا كل خير".
وبيّن ابن كثير أن الآية جمعت أركان السعادة الأربعة: طاعة الله، وطاعة رسوله، وخشية الجلال في القلب، وتقوى الجوارح في الأوامر والنواهي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْفَائِزُونَ}: الفوز هو الظفر بالخير والنجاة من الهلاك، ومنه المَفَازَة للمفازة من الأرض تفاؤلاً بالسلامة.
قراءات {وَيَتَّقْهِ}: قرأ الجمهور بسكون القاف وكسر الهاء اختلاساً أو صلة (وَيَتَّقْهِ)، وقرأ أبو عمرو بسكون القاف وسكون الهاء (وَيَتَّقْهْ)، وقرأ شعبة بكسر القاف والهاء، وكلها توجيهات لغوية فصيحة في معاملة هاء الضمير بعد المجزوم بحذف حرف العلة.
الإعراب:
{وَمَن}: الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُطِعِ}: فعل مضارع مجزوم بالسكون وهو فعل الشرط، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر.
{اللَّهَ}: مفعول به منصوب، {وَرَسُولَهُ}: معطوف منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَيَخْشَ}: معطوف مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر.
{اللَّهَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَيَتَّقْهِ}: معطوف مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر والهاء ضمير متصل مفعول به مبني في محل نصب.
{فَأُولَٰئِكَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، أولئك مبتدأ.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له، {الْفَائِزُونَ}: خبر أولئك مرفوع بالواو، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الترتيب التشريعي والنفسي للأركان الأربعة!
طاعة الله ورسوله (العمل الظاهر والامتثال للأوامر).
خشية الله (الوازع القلبي والهيبة الباطنة من عظمة الرب وخوف ما مضى).
تقوى الله (حراسة النفس عما يستقبل من الخطايا والشهوات).
الفوز العظيم (الثمرة والجزاء الخاتم).
التدرج من العموم إلى الخصوص: الطاعة عامة، ثم أتبعها بالخشية والتقوى لبيان أن الطاعة الظاهرة بغير خشية باطنة وتقوى حقيقية لا تكفي للظفر بالفوز التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق الدقيق بين الخشية والتقوى:
الخشية: خوف وتعظيم مشوبان بالمعرفة والإجلال {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وموضعها القلب، وتتعلق بما فرط من العبد من الذنوب أو بعظمة جلال الخالق.
الإيجاز بالحذف والإيقاع الصوتي في الجزم: جزم الأفعال الثلاثة {يُطِعِ}، {وَيَخْشَ}، {وَيَتَّقْهِ} يعطي إيقاعاً لغوياً مهيباً يعكس حزم التكليف وقوة العزيمة.
الحصر بضمير الفصل وتعريف الخبر: {هُمُ الْفَائِزُونَ}؛ لقصر الفوز الحقيقي والأبدي على هؤلاء المستكملين لهذه الصفات الأربع، دون الفائزين بمكاسب الدنيا الزائلة.
تدبر حقيقة الفوز: أن الفوز ليس بجمع الأموال ولا بنيل المناصب، بل بنجاة الروح وسكونها في طاعة بارئها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين ظاهر الطاعة وباطن التقوى: تربية المسلم على ألا يكتفي بالعبادات الظاهرة بل يغذي قلبه بمخافة الله وإجلاله في الخلوات.
المسارعة إلى الاستدراك والتوبة: تذكر ما مضى بالخشية، واستقبال المستقبل بالعزم على التقوى وحفظ الحدود.
الطمأنينة لوعد الله: استيقان المؤمن أن كل تضحية يقدمها في طاعة الله ورسوله سيثاب عليها بالفوز والرضوان الأبدي.