بعد أن بيّن الله نور المؤمنين وجزاءهم العظيم في الآيات السابقة، ضرب مثلين عظيمين لمن حرموا هذا النور؛ الأول لأعمالهم في بطلانها، والثاني لعقائدهم في ظلماتهم.
روى الطبري (ج19، ص214)مصدر غير محدد١٩/٢١٤ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} قال: "السراب: ما يرى نصف النهار في الفلاة كأنه ماء يجري، والقيعة: الأرض المستوية المنبسطة التي لا نبت فيها".
وقال قتادة ومجاهد: "هذا مثل ضربه الله لعمل الكافر، يحسب أنه قد عمل عملاً يرجو به نجاة وفضلاً، فلما قدم على الله يوم القيامة لم يجد لعمله ثواباً، ووجد الله قد أحصى عليه ذنوبه وأعماله فوفاه حسابه".
وبيّن ابن كثير أن هذا المثل يصور الخيبة الكبرى لأهل الضلال الذين غرهم الأمل الكاذب وظنوا أن أعمالهم الدنيوية كالإطعام والصلة تنفعهم عند الله، فلما جاء موعد الحقيقة تبخرت تلك الأوهام ووجدوا العذاب المعد لهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَرَابٍ}: ما يترقرق في الفلوات عند اشتداد الحر في نصف النهار، يرى كأنه ماء جار ينحدر، وليس بشيء.
{بِقِيعَةٍ}: جمع قاع أو قاعة، وهي الأرض المنبسطة المستوية الملساء التي يجري عليها السراب فيبدو لامعاً.
{الظَّمْآنُ}: العطشان شديد العطش الذي بلغ به الجهد غايته.
الإعراب:
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية أو عاطفة، الذين اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ أول.
{كَفَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل وجملة الصلة لا محل لها.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية، إذا ظرفية شرطية غير جازمة، جاءه ماض ومفعول وفاعله مستتر.
{لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}: لم جازمة، يجد مضارع مجزوم والهاء مفعول أول وشيئاً مفعول ثان، وجملة جواب الشرط لا محل لها.
{وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}: وجد ماض واسم الجلالة مفعول أول، وعنده ظرف متعلق بحال أو بمحذوف مفعول ثان، فوفاه الفاء عاطفة وفى ماض والهاء مفعول أول وحسابه مفعول ثان.
{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: مبتدأ وخبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع المقابلة الإعجازية في كتاب الله! قابل بين مشهد النور الوضاء المشرق للمؤمنين الذي ملأ السماوات والأرض والمساجد، وبين مشهدين حالكين لأهل الكفر والضلال؛ الأول مشهد الخيبة والسراب الزائف، والثاني مشهد الظلمات المتراكمة.
اختيار وصف {الظَّمْآنُ}: تجسيد فائق لشدة حاجة الكافر يوم القيامة إلى حسنة تنجيه أو عمل يخلصه، فهو أشد ما يكون لهفة كعطشان يتخبط في صحراء مهلكة شمسها محرقة، يرى الماء أمامه فيعدو نحوه، فإذا وصل إليه فوجئ بالعدم المطلق وبمفاجأة أدهى: حضور قاضي القضاة الذي لا يظلم مثقال ذرة.
الصدمة النفسية المفاجئة في النظم: الانتقال المباشر والسريع من خيبة {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} إلى هول {وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}، تقطع الأنفاس وتبرز الرعب الذي يلاقيه الكافر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان عمل الكافر في ميزان العدل الإلهي:
الإشكال: لماذا تحبط أعمال الكفار الخيرية التي نفعوا بها البشرية كالاكتشافات وبناء المشافي والإحسان؟
الجواب العقلي والشرعي المحكم:
العمل لكي يقبل عند الله يحتاج إلى شرطين عقليين وشرعيين: الإخلاص لله، والمتابعة لشرعه. والكافر لم يقدم عمله لله أصلاً ولا ابتغى به ثواب الآخرة، وإنما أراد به الشهرة أو الذكر الدنيوي أو النفع الإنساني المجرد.
والعدالة الإلهية المطلقة كافأت الكافر على إحسانه في الدنيا بالصحة والمال والشهرة والثناء وبسط الرزق كما صحت به الأحاديث، حتى إذا ورد الآخرة وردها مفلساً بلا رصيد إيماني يقام عليه الجزاء، فلا يظلم ربك أحداً.
التشبيه التمثيلي المأساوي: تمثيل مركب يرسم لوحة حية للحسرة النفسية والخيبة المطلقة؛ سراب، أرض قيعة ملساء، عطش كافر قاتل، ركض خلف الوهم، فناء مفاجئ للسراب، حضور فوري لمالك الملك للحساب.
براعة الطباق والمقابلة: بين ظن الظمآن أنه يجد ماءً يرويه ويحييه، وبين مفاجأته بلقاء الله تعالى ليفيه حسابه ويجازيه بالنار المهلكة.
تدبر سراب الماديات: كل مجد دنيوي وعمل يخلو من نور التوحيد هو سراب خادع، يزول بريقه عند أول نزول في القبر وتنكشف حقيقته في ساحة العرض الكبرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الإخلاص وتصحيح النية: تنبيه المؤمن إلى ألا يكون عمله شبيهاً بالسراب؛ فالرياء والسمعة يحولان أعمال الصالحين إلى هباء منثور.
التحرر من الانبهار ببريق الحضارات المادية: إدراك أن كل إنجاز بشري لا ينبثق من الإيمان هو سراب عاجز عن إنقاذ روادها من خزي الآخرة وعذابها.
الاستعداد ليوم المباغتة: اليقين بأن الله سريع الحساب، وأن الحساب لن يتأخر عند انقضاء الأجل، فيبادر المرء بتأسيس بنيانه على تقوى من الله ورضوان.