افتتح القرآن هنا تشريع الوقاية المجتمعية لمنع وقوع الفواحش وحفظ حرمات البيوت؛ روى الطبري (ج19، ص160)مصدر غير محدد١٩/١٦٠ بسنده عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة في قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا} قالوا: "الاستئناس هو الاستئذان".
وروى أبو داود (حديث رقم 5176)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٧٦ والترمذي عن ربعي بن حراش قال: "حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له فدخل".
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَسْتَأْنِسُوا}: السين والتاء للطلب، والاستئناس لغة: طلب الأنس وزوال الوحشة، أي تستعلموا وتطلبوا إذن أهل البيت حتى يؤنس منكم الرضا ولا تفاجئوهم على غرة.
وقيل: الاستئناس من الإيناس وهو الإبصار والإحساس، كما في قوله: {آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا}.
الإعراب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: منادى وتنبيه وصلة كما سلف.
{لَا تَدْخُلُوا}: لا ناهية جازمة، تدخلوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{بُيُوتًا}: مفعول به منصوب، {غَيْرَ}: نعت لبيوتاً منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{بُيُوتِكُمْ}: مضاف إليه مجرور، والكاف مضاف إليه.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{تَسْتَأْنِسُوا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والمصدر المؤول مجرور بحتى متعلق بتدخلوا.
{وَتُسَلِّمُوا}: معطوف على تستأنسوا منصوب بحذف النون.
براعة الانتقال التشريعي: بعد أن عالجت السورة جريمة الزنا وحد القذف ومأساة الإفك، شرعت في سد الذرائع وبناء الأسوار الحامية للأعراض قبل وقوع الجرائم، وأول هذه الأسوار: صيانة خصوصية البيوت ومنع اقتحامها بغير إذن.
تقديم الاستئناس على التسليم في النظم القرآني: دلالة على أن الغاية الأولى هي التأكد من تهيؤ أهل البيت واستئناسهم، ثم إلقاء تحية الإسلام التي تبث الأمان والسلام في أرجاء المنزل.
تعقيب الأمر بقوله: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} تقرير لمصلحة العباد الفطرية والاجتماعية في حماية الستر وطهارة الخواطر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على وهم القراءة الشاذة "حتى تستأذنوا":
أورد بعض الروايات عن ابن عباس في القراءة الشاذة "تستأذنوا"، وزعم بعض المستشرقين وقوع خطأ ناسخ!
الجواب المحكم القاطع:
تواتر قراءة الأمة قاطبة بالمصاحف العثمانية المجمَع عليها هو {تَسْتَأْنِسُوا}.
لفظ {تَسْتَأْنِسُوا} أبلغ وأعمق بلاغياً وفقهياً من مجرد "تستأذنوا"؛ فالاستئذان قد يقع بفظاظة وجفاء، أما الاستئناس فهو استئذان يصحبه الرفق وطلب إيناس أهل البيت بالصوت اللطيف كالتنحنح وإلقاء السلام، ليزول عنهم روع المفاجأة واستيحاش المباغتة، وهو ما يناسب كمال أدب النبوة.
لطافة التعبير بـ {تَسْتَأْنِسُوا}: تحويل الإجراء الأمني والاجتماعي إلى أدب روحي إنساني يبحث عن المودة والاستئناس ويدفع الوحشة والحرج عن الساكنين.
حرمة البيوت وقدسيتها: البيت في الإسلام محراب أمان وستر وسكينة، ولا يحل لأحد كائناً من كان أن يهتك ستره إلا ببينة وإذن صريح.
الجمع بين السلام والاستئذان: السلام يبث الأمان والسكينة، والاستئذان يمنع النظر المحرم والمفاجأة المحرجة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الاستئذان النبوي: أن يستأذن الطارق ثلاثاً؛ فإن أذن له وإلا انصرف، وأن يقف عن يمين الباب أو شماله ولا يستقبل الباب بوجهه لئلا يقع بصره على عورة البيت.
احترام خصوصيات الأسر: تربية الأبناء على عدم الدخول على الوالدين أو الغرف المغلقة إلا بعد الاستئذان والسلام.
كف البصر وصيانة الحرمات: استشعار أن تلصص البصر خيانة للأمانة وجريمة توجب سقوط الهيبة واستحقاق العقاب.