بيّن الطبري (ج19، ص234)مصدر غير محدد١٩/٢٣٤ بسنده عن قتادة أن المعنى: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهم بالعدل والحق فيما تنازعوا فيه، إذا طائفة منهم نافرون معرضون عن الحضور وعن قبول الحكم؛ لعلمهم المسبق بأن حكم الله ورسوله بالحق ولا يحابي أحداً لمكانته أو غناه.
وقال ابن كثير: "أي إذا طُلبوا إلى اتباع الهدى الذي أنزله الله على رسوله أعرضوا واستكبروا واستنكفوا عن اتباعه، وهذه سجايا المنافقين في كل عصر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّعْرِضُونَ}: الإعراض هو الصد والالتفات بالصفحة عن الشيء استكباراً وكراهية له.
{إِذَا} الفجائية: تفيد مباغتة الإعراض وسرعته دون تفكير أو تردد بمجرد سماع الدعوة لحكم الله.
الإعراب:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرفية شرطية غير جازمة.
{دُعُوا}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم المقدر، والواو نائب فاعل.
{إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}: متعلقان بدعوا.
{لِيَحْكُمَ}: اللام لام التعليل، يحكم مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل ضمير مستتر يعود على الرسول أو على الله، والتقدير: ليحكم الرسول بينهم بأمر الله.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بيحكم.
{إِذَا}: حرف فجاءة رابط لجواب الشرط.
{فَرِيقٌ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنْهُم}: نعت لفريق.
{مُّعْرِضُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل وكشف لسلوك التولي المذكور في الآية السابقة؛ فبينت الآية الكيفية العملية المخزية لذلك التولي: وهي الإعراض الفجائي عن مجلس القضاء النبوي.
استخدام {إِذَا} الفجائية: يرسم مشهداً حركياً صادماً؛ فالمتوقع ممن يزعم الإيمان أن يبادر مسروراً إلى حكم الله ورسوله، لكن المفاجأة المنكرة أنهم يعرضون وينفرون نفور المستكبرين.
إفراد ضمير الفاعل في {لِيَحْكُمَ}: إشارة إلى أن حكم الرسول هو عين حكم الله، وحكم الله هو الذي يقضي به الرسول؛ فلا فرق بينهما في الإلزام والوجوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا يهرب المنافق من حكم الشريعة؟
المحاكمة العقلية كشفت علة الهروب: المنافق ليس جاهلا بعدالة حكم الله ورسوله، بل هو يوقن في قرارة نفسه أن الشريعة لا تحابي ولا تباع فيها الأحكام ولا تشترى بالرشوة، فإذا كان صاحب باطل هرب إلى القوانين الوضعية والمحاكم الجاهلية التي يمكنه فيها التلاعب بالقضايا وشراء الذمم؛ فالإعراض عن الشريعة دافعه الخبث والمصلحة الباطلة لا الشك في عدالة الحكم.
الإعجاز في دلالة {إِذَا} الفجائية: إبراز الطبيعة النفسية للمنافق؛ فالإعراض متأصل في جبلته لا يحتاج إلى زمن للتفكير، بل هو رد فعل فوري تلقائي عند سماع ذكر التحاكم الشرعي.
البناء للمجهول في {دُعُوا}: لبيان أن الواجب على المؤمن إجابة الدعوة للحق أياً كان الداعي؛ سواء كان مسلماً أو كافراً أو ضعيفاً، لكن المنافق يرد الحق بذاته.
تدبر خطر الإعراض: أن الإعراض عن حكم الله ورسوله ليس مجرد معصية عادية، بل هو علامة نفاق خطيرة تهوي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار إن لم يتب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانقياد السريع للحق: تربية النفس على التنازل عن الخصومات والامتثال التام للتحكيم الشرعي فور الدعوة إليه.
الحذر من الفرار من العدالة: اجتناب البحث عن ثغرات قانونية أو محاكم باطلة لأكل أموال الناس ظلماً، واليقين بأن ما أخذ بغير حكم الله سحت ونار.
الصدع بالحق في المجتمعات: واجب أهل العلم والقضاء في بيان أحكام الشريعة وتجريدها من الهوى والمحاباة لتبقى منارة تهوي إليها أفئدة المؤمنين.