روى الطبري (ج19، ص238)مصدر غير محدد١٩/٢٣٨ بسنده عن قتادة والزهري في قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} قالا: "هذا نعت المؤمنين الصادقين المخلصين؛ إذا دعوا إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم رضوا وسلموا وانقادوا، وقالوا: سمعنا ما أمرتنا به وأطعنا فيما قضيت علينا، وأولئك هم المفلحون الفائزون بكل خير".
وقال ابن كثير (ج6، ص68)مصدر غير محدد٦/٦٨: "أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ورسوله، الذين لا يبتغون عن كتاب الله وسنة رسوله بديلاً، بل ينقادون في المنشط والمكره واليسر والعسر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّمَا}: أداة حصر وقصر، تدل على حصر قول المؤمنين وسلوكهم في التسليم والانقياد.
{الْمُفْلِحُونَ}: الفلاح هو الظفر بالبغية والنجاة من المرهوب، وأصله الشق والقطع ومنه الفلاح لأنه يشق الأرض للزرع والنماء.
الإعراب:
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص ناسخ.
{قَوْلَ}: خبر كان مقدم منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف (وقرئ في السبعة بالرفع: {قَوْلُ} على أنه اسم كان والمصدر المؤول خبرها).
القصر بأداة {إِنَّمَا}: تأكيد على أنه لا مجال لمؤمن أن يتردد أو يناور أو يساوم عند ورود حكم الله ورسوله، بل جوابه الوحيد المحصور هو السمع والطاعة.
الجمع بين {سَمِعْنَا} و{أَطَعْنَا}: سمعنا سماع إدراك وقبول وفهم، وأطعنا طاعة امتثال وعمل فوري دون تسويف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شروط تحقق وصف الإيمان الحق:
هذه الآية معيار قطعي يميز الإيمان الحقيقي عن الإيمان المدعى؛ فالإيمان ليس تمنياً ولا تحلياً بالألفاظ، بل ما وقر في القلب وصدقه العمل بالانقياد المطلق؛ فمن قال: "أنا مؤمن ولكن أتحفظ على بعض أحكام الميراث أو الحدود أو الأسرة"، فقد نقض حصر الآية {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ... أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}؛ لأن كمال العبودية يقتضي كمال التسليم لحكمة المعبود سبحانه.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: قصر شأن المؤمنين على هذا القول الصادق، مما ينفي عنهم أي قول آخر يتضمن جدلاً أو معارضة.
الإيجاز البليغ في {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}: كلمتان تعبران عن أقصى درجات الانضباط الروحي والولاء المطلق لأمر الله تعالى.
البشارة باسم الإشارة للتعظيم: {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ أي أولئك العظماء الذين رسخوا أقدامهم في الطاعة هم المخصوصون بالفلاح والنجاة دون غيرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شعار المسلم في الحياة: جعل كلمة {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} منهج حياة يومي أمام كل أمر ونهي شرعي.
الرضا بالقضاء الشرعي: نزع الغل والضيق من الصدور عند الخضوع لأحكام القضاء العادل.
الفلاح الحقيقي: إدراك أن الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة مربوطان بالانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.