بيّن الطبري في تفسيره (ج19، ص164)مصدر غير محدد١٩/١٦٤ أن قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} يعني: فإن لم تجدوا في تلك البيوت أحداً يملك الإذن لكم بالدخول فلا تدخلوها؛ لأن ملك الغير وأمتعته محرمة إلا بطيب نفس وإذن صريح.
وروى ابن أبي حاتم وسعيد بن جبير في قوله: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}، قال المهاجرون: "لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها: أن آتي بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مسرور، لقول الله: {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}".
وأوضح ابن كثير أن الرجوع عند الاعتذار من كمال نقاء القلوب، وألا يجد الطارق في نفسه موجدة أو غضاضة؛ فإن لصاحب البيت أعذاراً وأحوالاً قد لا يحب أن يطّلع عليها أحد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَزْكَىٰ}: اسم تفضيل من الزكاة، وهي الطهارة والنماء والبركة وخلوص النفس من الريب وأدران الحقد.
الإعراب:
{فَإِن}: الفاء عاطفة تفريعية، إن حرف شرط جازم.
{لَّمْ تَجِدُوا}: لم جازمة، تجدوا فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط، والواو فاعل.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، {أَحَدًا}: مفعول به لتجدوا.
{فَلَا تَدْخُلُوهَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، لا ناهية، تدخلوها فعل مضارع مجزوم بحذف النون والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{حَتَّىٰ يُؤْذَنَ}: حتى حرف غاية، يؤذن فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره الإذن أو الجار والمجرور {لَكُمْ} نائب فاعل.
{وَإِن قِيلَ}: شرطية، قيل فعل ماض مبني للمجهول وهو فعل الشرط، وجملة {ارْجِعُوا} في محل رفع نائب فاعل مقول القول.
{فَارْجِعُوا}: الفاء رابطة، ارجعوا أمر والواو فاعل، والجملة جواب الشرط.
{هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}: هو ضمير منفصل مبتدأ يعود على الرجوع، وأزكى خبر، ولكم متعلق به.
الحالة الأولى (الآية السابقة): وجود الأهل واستئناسهم وإذنهم فيدخل بسلام.
الحالة الثانية: عدم وجود أحد يملك الإذن، فيحرم الدخول مطلقاً حتى يوجد صاحب الإذن.
الحالة الثالثة: وجود الأهل مع اعتذارهم عن الاستقبال وطلبهم الرجوع، فيتعين الامتثال بالرجوع بطيب خاطر.
التعليل بـ {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} يدفع خواطر الشك والريبة عن الطارق، ويزيل أثقال الإحراج عن صاحب الدار.
التذييل بصفة العلم الإلهي {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} رقابة على ما يختلج في النفوس من حرج أو تلصص أو انزعاج باطن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون البيت خالياً ويقال {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ}؟
الإشكال: كيف يأذن من ليس بموجود في البيت؟
الجواب البياني الرصين: المعنى: إن لم تجدوا فيها أحداً يملك الإذن (كالوكيل أو صاحب الدار) فلا تدخلوها حتى يحضر من يأذن لكم، أو حتى يأتيكم الإذن من صاحبها بطريق معتبر (كالرسالة أو التوكيل)، فالمنع معلق بانتفاء الإذن لا بمجرد خلو الجدران من الأشخاص؛ حفظاً للأموال والممتلكات من التهمة والتعدي.