روى الطبري (ج19، ص259)مصدر غير محدد١٩/٢٥٩ بسنده عن سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي في قوله: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} قالوا: "إذا بلغ الغلام والجارية مبلغا يدركان فيه بالاحتلام خرجوا من حد الصغر، ووجب عليهم الاستئذان في كل وقت وعلى كل حال كما يستأذن الكبار الرجال والنساء (الذين من قبلهم في الآيات السابقة)".
وقال ابن كثير: "يعني إذا بلغ الأطفال الذين كانوا يستأذنون في العورات الثلاث خاصة الحلم، وجب عليهم الاستئذان في سائر الأوقات كحكم البالغين من أحرار الرجال".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْأَطْفَالُ}: جمع طفل، وهو الصغير من الإنسان إلى حد البلوغ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم التدرج التشريعي والتربوي!
في الآية السابقة: مرحلة ما قبل البلوغ (يستأذنون في الأوقات الثلاثة فقط ويرخص لهم في غيرها).
في هذه الآية: مرحلة البلوغ وما بعدها (سقوط الرخصة ووجوب الاستئذان التام في كل الأوقات والأحوال).
الإحالة البيانية البديعة: {كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ ربط محكم بأول أحكام الاستئذان المذكورة في صدر السورة {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا}؛ ليدرك المكلف الجديد أنه قد دخل في زمرة البالغين ولزمته أحكامهم كاملة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علة انتقال الحكم بالبلوغ:
المحاكمة العقلية والتشريعية: الصبي قبل البلوغ ضعيف الإدراك للشهوة قاصر عن فهم دقائق الفتنة فرُخص له دفعاً للمشقة، أما إذا بلغ الحلم فقد اكتمل عقله وتوقدت غريزته وشارك الكبار في دواعي الافتتان؛ فلو دخل بغير إذن في أي وقت لأوشك أن يرى عورة فتتحرك شهوته ويفسد قلبه؛ فحتمت حكمة التشريع إلزامه بالاستئذان الدائم حماية لبراءته وصيانة لحرمات البيت.
الإيجاز بالحذف والإحالة: {كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ وفر تفصيل الأحكام واستغنى بالإحالة على الأصل المعروف، وهو من أعلى مراتب الفصاحة.
تكرار التذييل: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}؛ لبيان أن هذه الآداب الأسرية ليست تقاليد عارضة، بل هي آيات ربانية محكمة يترتب عليها الثواب والعقاب.
تدبر انتقال المراحل العمرية: تنبيه الأولياء إلى يقظة المتابعة لأبنائهم مع تبدل مراحلهم السنية وتغير تكاليفهم الشرعية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توعية الأبناء بأحكام البلوغ: مصارحة الأبناء وتعليمهم علامات البلوغ وما يترتب عليها من فرائض الطهارة والصلاة والاستئذان وحفظ العورات.
استئذان الأبناء الكبار على الأمهات والآباء: ترسيخ أدب عدم الدخول على الأم أو الأخوات فجأة وإن كان ابناً، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله رجل: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، أتحب أن تراها عريانة؟!
احترام خصوصية الأفراد داخل البيت: غرس ثقافة الاستئذان حتى على الغرف الخاصة داخل المنزل الواحد.