روى البخاري في صحيحه (حديث رقم 4758)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٥٨ عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مُرُوطَهُنَّ فاختمرن بها".
وروى الطبري (ج19، ص170)مصدر غير محدد١٩/١٧٠ بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: "الثياب والرداء"، وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد: "الوجه والكفان والكحل والخاتم".
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود في سننه عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: "فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟!".
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج12، ص226)مصدر غير محدد١٢/٢٢٦: "لما كانت عادة نساء العرب إسدال الخمر من وراء الظهر كما يصنع النبط، فيبقى نحر المرأة وعنقها وما حواه بادياً لا ستر عليه، أمر الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيب لستر العنق والنحر وجميع مواضع الفتنة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِخُمُرِهِنَّ}: جمع خِمَار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها وتلويه على عنقها.
{جُيُوبِهِنَّ}: جمع جَيْب، وهو فتحة الثوب عند الصدر والنحر التي يخرج منها الرأس.
{الْإِرْبَةِ}: الحاجة والبغية، والمراد: غير أولي الحاجة إلى النساء من البله أو الشيوخ الفانين الذين سقطت شهوتهم.
{لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ}: لم يطلعوا عليها لصغرهم، أو لم يبلغوا حد التمييز والمعرفة بما يثير الشهوة.
{يَغْضُضْنَ}: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في جواب الطلب، والنون فاعل.
{وَلَا يُبْدِينَ}: الواو عاطفة، لا ناهية، يبدين مضارع مبني على السكون ونون النسوة فاعل في محل جزم.
{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: إلا أداة استثناء، ما اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء، ظهر فعل ماض ومنها متعلق بظهر وجملة الصلة لا محل لها.
{وَلْيَضْرِبْنَ}: الواو عاطفة، اللام لام الأمر، يضربن مضارع مبني على السكون في محل جزم والنون فاعل.
{أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ}: أيّ منادى نكرة مقصودة بحرف نداء محذوف مبني على الضم، وها للتنبيه، ورسمت في المصاحف بغير ألف (أيه)، والمؤمنون نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عطف أمر المؤمنات على أمر المؤمنين في الآية السابقة؛ لبيان وحدة التكليف في أصل العفاف وغض البصر وحفظ الفروج، مع تفصيل الأحكام الخاصة بالمرأة لطبيعة تكوينها ولكونها موضع الرغبة والافتتان.
التدرج الدقيق في ذكر المحارم الاثني عشر: بدأ بالزوج {لِبُعُولَتِهِنَّ} لأنه يرى منها كل شيء، ثم الآباء، ثم آباء الأزواج، ثم الأبناء، وتدرج في مراتب القرابة المحرمة على التأبيد، ثم أصناف التابعين والأطفال الذين لا خطر من جهتهم.
ختم الآية بالنهي عن حركات التمايل ولفت الأنظار بالصوت {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ}، ثم تعميم النداء بالتوبة {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا}؛ لبيان أنه قلما يسلم إنسان من هفوة بصر أو حركة خاطر، فالتوبة ملاذ الجميع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}:
شبهة دعوى إباحة التبرج باسم الزينة الظاهرة:
الجواب المحكم: لم يقل الله "إلا ما أظهرن منها"، بل قال: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بصيغة ما وقع بغير اختيارهن كالرداء الخارجي الذي يبدو بحكم الحركة والريح والاضطرار، أو ما جرت العادة بظهوره في ممارسة المعاش اليومي من غير قصد تبرج، فالاستثناء منصرف إلى ما لا يستطاع إخفاؤه أو ما رخص فيه كالوجه والكفين على قول طائفة مع اشتراط أمن الفتنة، أما إبداء الزينة الباطنة كالعنق والنحر والذراعين والصدر فمحرم بإجماع الأمة.
الدقة في التعبير بـ {وَلْيَضْرِبْنَ}: الضرب يفيد الإحكام واللزوم والشد؛ فلم يقل "وليطرحن" أو "وليسدلن"، بل ضرباً يضمن التغطية المحكمة لفتحة الصدر والنحر والرقبة فلا يرى منها شيء.
النهي عن خفي الزينة المسموعة: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}؛ استدلال بلاغي بديع على سد الذرائع؛ فإذا حُرّم إدراك الزينة بحاسة السمع عبر صوت الخلاخل، فتحريم إدراكها بالبصر والنظر المباشر من باب أولى وأحرى.