بيّن الطبري (ج19، ص188)مصدر غير محدد١٩/١٨٨ أن الله جل ثناؤه يمتن على عباده بما أنزل إليهم في هذه السورة وسائر القرآن من الآيات الموضحات للحق والباطل، والحدود والفرائض، والآداب الرفيعة، فقال: {آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي واضحات في بيانهن لدين الله وشرائعه.
وقوله: {وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} أي أشباه ونظائر من أخبار الأمم الماضية؛ كخبر مريم بنت عمران وبراءتها مما رماها به اليهود، وأخبار من عصى رسل الله وما حل بهم من المثلات.
وقوله: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي تذكرة وزاجراً عما يكرهه الله، وخص المتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بالموعظة ويعملون بمقتضاها.
وقال ابن كثير: "آيات واضحات مفصلات، وأمثالاً لمن اعتبر بها، وموعظة يتعظ بها أهل التقوى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُّبَيِّنَاتٍ}: قرئت بكسر الياء المشددة (مُبَيِّنَاتٍ) اسم فاعل أي تبين الأحكام وتوضحها، وبفتحها (مُبَيَّنَاتٍ) اسم مفعول أي بينها الله وفصلها.
{خَلَوْا}: مضوا وسلفوا في غابر الأزمان.
الإعراب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{أَنزَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{إِلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بأنزلنا.
{آيَاتٍ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَمَوْعِظَةً}: معطوف منصوب، {لِّلْمُتَّقِينَ}: جار ومجرور متعلق بموعظة أو نعت لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقع هذه الآية موقع الفاصل الميزاني الرائع؛ حيث استعرضت السورة منظومة تشريعية متكاملة من الحدود (الزنا، القذف، اللعان) والآداب (الاستئذان، غض البصر، الحجاب، النكاح، الاستعفاف)، فعقّب الله عليها ببيان عظمة هذه الآيات ووضوحها لتقر في النفوس قبل الانتقال إلى المشهد الكوني الأعظم: آية النور.
الجمع بين ثلاثة أركان للهداية القرآنية:
الأحكام والتشريعات: {آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ}.
العبر التاريخية والسنن الكونية: {وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا}.
الإشكال: القرآن هدى وموعظة للناس كافة، فلماذا خُص المتقون هنا؟
الجواب العقلي البلاغي: القرآن نزل هداية ودعوة لجميع الثقلين، لكن الانتفاع العملي والتأثر القلبي الحقيقي بالموعظة لا يقع إلا من أهل التقوى الذين خافوا مقام ربهم ونهوا النفس عن الهوى؛ فنسبت الموعظة إليهم لبيان ثمرتها فيهم، كما قال تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، ونظيره: الطبيب ينفع الدواء عنده من امتثل حميته، وإن كان الدواء معروضاً للجميع.
التوكيد بالقسم واللام وقد: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا}؛ لتقرير الحجة الإلهية ودفع كل شك أو تساهل في تطبيق هذه الأحكام.
التنكير في {آيَاتٍ} و{مَثَلًا} و{وَمَوْعِظَةً}: للتفخيم والتعظيم؛ أي آيات عظيمة النفع، ومثلاً بالغ الدلالة، وموعظة جليلة الأثر.
براعة الاستهلال للآية التالية: التمهيد بوضوح الآيات المنزلة مهد لعرض النور الإلهي في الآية التي تليها، فالآيات نور في الآفاق يطابق نور الوحي ونور الفطرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تدبر التاريخ البشري والاعتبار به: دراسة سنن الله في الأمم السابقة وكيف نجا أهل الطهر وأهلك الله أهل الفسوق والفواحش.
تحكيم الشريعة واليقين بوضوحها: الإيمان بأن أحكام القرآن قطعية البيان لا لبس فيها ولا غموض، وأنها كافية لصلاح الفرد والمجتمع.
تزكية التقوى في القلب: السعي لتحقيق التقوى لتكون القلوب مؤهلة لقبول أنوار القرآن والانتفاع بمواعظه.