بيّن ابن جرير الطبري (ج19، ص224)مصدر غير محدد١٩/٢٢٤ أن المعنى: ولله سلطان السماوات والأرض وما فيهما من الخلق، ملكاً وخلقاً وتدبيراً وتصرفاً، لا شريك له في سلطانه، وإليه وحده مصير جميع الخلائق ومرجعهم يوم القيامة؛ ليحاسب كل عامل بما عمل، ويثيب المسبحين المطيعين ويعاقب الجاحدين المعرضين.
وقال ابن كثير: "هو المالك المتصرف الذي لا معقب لحكمه، وإليه المرجع والمنقلب يوم البعث والنشور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُلْكُ}: الملك بضم الميم هو السلطان والاستيلاء والتصرف المطلق، وبكسرها (مِلْك) لما يملكه الإنسان من أعيان.
{الْمَصِيرُ}: اسم مكان أو مصدر ميمي من صار يصير، أي المرجع والمآل والمنتهى.
{مُلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور، {وَالْأَرْضِ}: معطوف عليه.
{وَإِلَى اللَّهِ}: الواو عاطفة، إلى الله جار ومجرور متعلق بالخبر المقدم المحذوف.
{الْمَصِيرُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد ترابط هذه الآية بما قبلها وما بعدها! فبعد أن ذكر تسبيح الكائنات وخضوع الطير، بيّن العلة التامة والأساس المالك لهذا التسبيح وهو الملك المطلق لله تعالى على كل ما حوته السماوات والأرض.
التلازم الحتمي بين المبدأ والمنتهى: المبدأ بيده وحده {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، والمنتهى والمصير إليه وحده {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}؛ فلا مهرب لمخلوق من ملكه ولا ملجأ منه إلا إليه.
تقديم الجار والمجرور في الموضعين {وَلِلَّهِ} و{وَإِلَى اللَّهِ}: إفادة الحصر والقصر القطعي؛ فلا ملك حقيقي لغيره، ولا مصير لأحد إلا إلى قضائه وحسابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان دعاوى الملكية الاستقلالية للبشر:
يدفع النص القرآني وهم الإنسان المعاصر في تملك الأرض ومقدراتها؛ فملكية الإنسان ملكية استخلافية عارضة مؤقتة ومقيدة بالشرع، أما الملكية الحقيقية الذاتية الباقية فهي لله وحده، وكل ملك زائل وصاحبه صائر إلى الله ليحاسب عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟
أسلوب القصر والحصر بالتقديم: {وَلِلَّهِ مُلْكُ}، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}؛ لنفي أي شبهة شرك أو منازعة في الألوهية والربوبية والتدبير.
الإيجاز الإعجازي: كلمتان في كل شطر تلخصان فلسفة الوجود ومبدأ الكون وغايته ومصيره النهائي.
تدبر المصير: كلمة {الْمَصِيرُ} توقف القلب وجلاً؛ فمهما طال عمر الإنسان وتعددت مسالكه وتشعبت به السبل، فإن المحطة الأخيرة الحتمية هي الوقوف بين يدي الملك الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من التعلق بالدنيا: التيقن بأن كل ما في اليد من أموال ومناصب عارية مستردة سترجع إلى مالكها الحقيقي.
الاستعداد التام للقاء الله: محاسبة النفس وتجهيز الزاد للرحلة التي لا تخلف فيها؛ فالمصير إليه وحده لا إلى غيره.
الطمأنينة لعدالة القضاء: اليقين بأن المظالم والدعاوى التي لم تحسم في الدنيا مآلها إلى الله الذي يقضي بين عباده بالحق.