روى الطبري (ج19، ص235)مصدر غير محدد١٩/٢٣٥ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك في قوله: {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} قالوا: "إذا علم المنافق أن الحق له على خصمه سارع وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طائعاً منقاداً؛ لعلمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقضي له بالحق ولا يظلمه، فإذا علم أن الحق عليه لخصمه نفر وتولى وطلب قضاة الجور ليحابوه".
وبيّن ابن كثير أن هذا المثل الفاضح يكشف نفاق هؤلاء وعبوديتهم للهوى؛ فهم لا يطلبون الشريعة تعظيماً لله ولا إيماناً بحكمه، وإنما يطلبونها إذا وافقت مصالحهم العاجلة ونالوا بها مآربهم الدنيوية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُذْعِنِينَ}: الإذعان هو الانقياد مع الخضوع والإسراع والطواعية، يقال: أذعن له إذا انقاد وسلس وسارع بالقبول.
الإعراب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
{يَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون وهو فعل الشرط، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.
{لَّهُمُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يكن مقدم.
{الْحَقُّ}: اسم يكن مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَأْتُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون جواب الشرط والواو فاعل.
{إِلَيْهِ}: متعلق بيأتوا، والضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم أو على الحكم أو الحق.
{مُذْعِنِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذه المقابلة النفسية الكاشفة! قابل بين حال المنافقين إذا كان الحق عليهم (في الآية السابقة: إعراض ونفور وهروب فجائي)، وبين حالهم إذا كان الحق لهم (في هذه الآية: إذعان وإسراع وحرص على الحضور).
التعبير بـ {مُذْعِنِينَ}: يصور التلون والخداع؛ فالانقياد الظاهري ليس نابعاً من تقوى الله، بل من الطمع في نيل المصلحة الشخصية بغير عناء.
التمهيد لمحاكمتهم في الآية التالية بالتساؤلات التقريعية الصاعقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتهازية المنافقين في التحاكم:
تفضح الآية نمطاً سلوكياً متكرراً في كل زمان: وهو اتخاذ الدين أداة مصلحية متى ما وافق الهوى ونال به المرء مكسباً أشهره وتمسك به، ومتى ما ألزمه الدين بتنازل أو غرم أو حق للغير تبرم منه وبحث عن قوانين بديلة؛ فبينت الآية أن المؤمن الحق هو من يخضع للشرع في مواطن المغرم كما يخضع في مواطن المغنم سواء بسواء.
حال النصب {مُذْعِنِينَ}: رسم حركي لهيئة المنافق حين يهرول طائعاً متذللاً، وهي هيئة تفضحه حين تقارن بنفوره واستكباره عند مطالبته بالحق.
حذف مفعول الإتيان: لبيان خفتهم وسرعة إقبالهم دون أدنى تلعثم.
تدبر مقياس الإخلاص: أن ميزان صدق العبد في انقياده لشرع الله يتجلى حين يكون الحكم عليه لا له؛ فإن رضي وسلم فهو المؤمن الحق، وإن ضاق وتبرم ففيه خصلة من خصال النفاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد للحق والعدالة: تربية النفس على قبول حكم الشرع الصارم وإن ترتب عليه فوات حظ نفسي أو مالي.
نبذ النفعية والانتهازية في التدين: الحذر من استخدام الفتاوى والأحكام الشرعية بصورة انتقائية تخدم المصالح وتلغي الواجبات.
عدالة القضاء النبوي: استشعار ثقة الخصوم جميعاً - حتى الكفار والمنافقين - في عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزاهته التامة.