روى الترمذي (حديث رقم 1655)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٥٥ وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف".
وروى الطبري (ج19، ص176)مصدر غير محدد١٩/١٧٦ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أمر الله بالنكاح، ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}".
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى".
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْأَيَامَىٰ}: جمع أَيِّم، وهو كل من لا زوج له، رجلاً كان أو امرأة، بكراً كان أو ثيباً.
{الصَّالِحِينَ}: الصلاح هنا يشمل الصلاح في الدين والقدرة على القيام بحقوق الزوجية وأداء الأمانة.
{عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}: أرقاؤكم ومماليككم من الذكور والإناث.
الإعراب:
{وَأَنكِحُوا}: الواو عاطفة، أنكحوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والهمزة للتعدية (أنكح غيره وزوّجه).
{الْأَيَامَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{مِنكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الأيامى.
{وَالصَّالِحِينَ}: معطوف على الأيامى منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{إِن يَكُونُوا}: إن شرطية جازمة، يكونوا فعل الشرط ناقص مجزوم بحذف النون والواو اسمه.
{فُقَرَاءَ}: خبر يكون منصوب بالفتحة الظاهرة غير منون لأنه ممنوع من الصرف.
{يُغْنِهِمُ اللَّهُ}: يغن فعل مضارع مجزوم جواب الشرط بحذف حرف العلة (الياء)، والهاء مفعول به، والله فاعل مرفوع بالضمة، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير مقترن بالفاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط العضوي التشريعي: بعد أن حرّم الزنا وغلظ عقوبته، وحرم وسائله من إطلاق البصر والتهاون في الحجاب، شرع الباب الشرعي البديل والوحيد لتفريغ الطاقة الفطرية وبناء المجتمع وهو الزواج؛ فالإسلام لا يكتفي بالمنع والتحذير، بل يفتح أبواب الحلال وييسرها.
توجيه الأمر للمجتمع والأولياء {وَأَنكِحُوا}: دلالة على أن تزويج الشباب والفتيات مسؤولية اجتماعية تضامنية لا تترك للأفراد وحدهم، بل يتعين على الأولياء وأهل الفضل المعونة والتيسير.
إزالة الحاجز النفسي والمالي بالوعد الرباني: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}؛ لطمأنة القلوب من هاجس الفقر الذي يصرف الناس عن الإعفاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تخلف الغنى عن بعض المتزوجين:
الإشكال: نرى بعض الناس يتزوجون ويبقون فقراء، فكيف يتحقق وعد الله؟
الجواب الشرعي والعقلي:
الغنى في الآية وعد معلق بمشيئة الله وحكمته كما في قوله في موضع آخر {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ}، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
الغنى الموعود قد يكون غنى النفس والقناعة، وهو أعظم الغنى كما في الحديث: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
النكاح سبب لفتح أبواب الرزق ومضاعفة البركة بحصول العفاف ونزول المعونة الإلهية لمن قصد إعفاف نفسه وأهله، وتيسير أسباب المعاش التي لم تكن تخطر بباله.
التعبير بـ {وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: ختام بديع يناسب الوعد بالغنى؛ فالله واسع الفضل والرزق والرحمة، لا تنفد خزائنه، عليم بمن يستحق الغنى ويصلحه، وبمن يفسده الغنى فيقدر عليه رزقه بحكمته.
تقديم الأحرار على العبيد والإماء: لبيان أولوية الأحرار في التزويج، ثم إتباع المماليك تأكيداً لإنسانيتهم وحقهم في العفاف وتأسيس الأسرة.
تدبر التكافل الاجتماعي: الآية تؤسس لأمن مجتمعي متكامل؛ فالمجتمع الذي يسهل الزواج تنحسر فيه الفواحش وتستقر فيه السكينة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تيسير المهور وتكاليف الزواج: محاربة عادات المغالاة في المهور ومظاهر البذخ التي تعطل زواج الشباب وتفتح أبواب الفتن.
حسن الظن بالله والتوكل عليه: الإقدام على الزواج بنية العفاف واليقين بأن الله سيعين صاحب هذه النية الصالحة.
دور الأولياء والمؤسسات في التزويج: سعي الآباء والمصلحين في تزويج الأيامى والصالحين، وتأسيس صناديق العون الأسري.