روى الطبري (ج19، ص261)مصدر غير محدد١٩/٢٦١ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ}: "هن اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، ولا مطمع لهن في التزويج ولا مطمع للرجال فيهن"، وفي قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}: قال: "تضع الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، ولا تضع الخمار، وتضع الثياب الظاهرة التي لا تبرز العورة الباطنة".
وروى عن مجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير نحوه، مؤكدين أن الرخصة مقيدة بوضع الجلباب الظاهر مع بقاء الخمار وسائر الستر الداخلي.
وبيّن ابن كثير أن الله رفع الحرج عن العجائز المتقدمات في السن اللاتي انقطعت شهوتهن في التخفف من بعض الأردية الظاهرة كالملاءة والجلباب دفعاً للمشقة، بشرط ألا يقصدن التبرج وإبداء الزينة، ثم رغبهن في كمال الاستعفاف والإبقاء على الستر التام فقال: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالْقَوَاعِدُ}: جمع قَاعِد، وهي المرأة التي كبرت وقعدت عن الحيض والولد وعن النكاح، ولم يؤنث الوصف بالتاء (يقال قاعد لا قاعدة) لأنه وصف خاص بالإناث لا يشاركهن فيه الرجال، كحائض وطالق.
{مُتَبَرِّجَاتٍ}: التبرج هو إظهار الزينة والمحاسن للرجال الأجانب، مأخوذ من البُرْج لعلوه وظهوره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف حكمة التشريع القرآني وتناسقه! فبعد أن فصّل أحكام الحجاب والستر والضرب بالخمر على الجيوب للشابات في الآية (31)، جاء هنا ليبين حكم المستثنيات من هذا الحكم بحكم السن؛ وهن القواعد من النساء؛ لئلا يبقى في الشريعة حرج على كبار السن والعجائز.
الجمع بين الرخصة المشروطة والتفضيل العالي:
الرخصة: إباحة وضع الجلباب الخارجي.
الشرط الصارم: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}.
العزيمة والتفضيل: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}؛ حثاً لهن على ملازمة الكمال والحشمة إلى آخر رمق في الحياة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على استغلال الآية لدعاوى خلع الحجاب:
يستدل بعض دعاة التحرر بالآية لتجويز نزع الحجاب!
الجواب المحكم القاطع:
الآية صريحة قطعية في تخصيص الحكم بـ {الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا}؛ وهن العجائز اللاتي بلغن سناً سقطت فيه الرغبة من الطرفين، فكيف يقاس عليهن الشابات والفتيات اللاتي هن موضع الفتنة والرغبة؟!
حتى بالنسبة للعجائز، فإن المباح وضعه هو الرداء الفوقي والجلباب مع بقاء الخمار الساتر للرأس والنحر، وبشرط نفي التبرج بالزينة؛ فإذا نهيت العجوز عن التبرج بالزينة فكيف بالمرأة الشابة؟! وهذا من أقوى الأدلة على فرضية الحجاب وسد الذرائع.
نفي التاء في {الْقَوَاعِدُ}: بلاغة عربية دقيقة تدل على أن الصفة بلغت في المرأة الاستقرار واللزوم بحيث صارت طبيعة فيها لا عارضاً يزول.
الاحتراس البلاغي العبقري بقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}: لقطع الطريق على أي عجوز قد تسول لها نفسها استعمال الرخصة للتجمل وإبداء ما لا يليق بسنها ووقارها.
تدبر رعاية المسنين: الشريعة تراعي الضعف البدني لكبار السن وتخفف عنهم الأثقال دون الإخلال بجوهر العفاف والحياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير أمهاتنا وجداتنا وتيسير شؤونهن: العمل برخصة الشريعة لكبيرات السن في وضع الأردية الثقيلة داخل البيوت وأمام الأقارب.
صيانة المرأة لنفسها مهما تقدمت في العمر: التأسي بفضيلة الاستعفاف {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}، لتبقى الجدة قدوة في الوقار والحشمة لبناتها وحفيداتها.
تجنب مظاهر التصابي الممقوت: حث النساء كبيرات السن على الترفع عن استعمال مساحيق الزينة الملفتة أو الملابس التي لا تليق بوقار المشيب.