استهل الحق جل وعلا هذا المقطع بنداء المؤمنين بأشرف صفاتهم، ناهياً إياهم عن اتباع سبل إبليس وطرائقه؛ روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص139)مصدر غير محدد١٩/١٣٩ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} قال: "عمله وآثاره وطرائقه، وكل معصية لله فهي من خطوات الشيطان".
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة قال: "خطوات الشيطان: خطاياه ومعاصيه ووساوسه التي يستدرج بها بني آدم شبر شبر".
وبيّن ابن كثير في تفسيره (ج6، ص36)مصدر غير محدد٦/٣٦ أن هذا تحذير إلهي بالغ بعد واقعة الإفك؛ لئلا يستجرهم الشيطان في مهاوي التلاوم أو الوقوع في أعراض الناس مجدداً، مؤكداً أن الاستدراج التدريجي ديدن العدو، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} أي ما طهر من دنس الآثام والسيئات ولا ترقى في مدارج الفضل والنقاء إلا بتوفيق الله ومنّه وإحسانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خُطُوَاتِ}: جمع خُطْوَة، بضم الخاء، وهي ما بين القدمين عند المشي، وقرئت في السبع بضم الطاء {خُطُوَاتِ} على الإتباع، وبسكونها {خُطْوَاتِ} تخفيفاً، واستعيرت هنا للمسالك والآثار والوساوس المستدرجة.
{يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}: الفحشاء ما عظم قبحه من المعاصي وتجاوز الحد، والمنكر ما أنكرته العقول السليمة والشريعة المحكمة.
الإعراب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يا حرف نداء، أي منادى مبني على الضم في محل نصب، وها للتنبيه، والذين بدل أو نعت، وجملة آمنوا صلة الموصول.
{لَا تَتَّبِعُوا}: لا ناهية جازمة، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{خُطُوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَمَن يَتَّبِعْ}: الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، يتبع فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{فَإِنَّهُ يَأْمُرُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها يعود على الشيطان، وجملة يأمر خبرها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{مَا زَكَىٰ}: ما نافية، زكى فعل ماض مبني على الفتح المقدر، وفاعله {أَحَدٍ} مجرور لفظاً بـ {مِنْ} الزائدة مرفوع محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت الآية تعقيباً صارماً وتحليلاً جذرياً لمأساة الإفك السابقة؛ فبعد أن فصّل القرآن فظاعة الجريمة وحذر من إشاعة الفاحشة، ارتقى بالسياق إلى كشف المنبع والمحرك الأول للجريمة وهو الشيطان.
التناسب بديع بين ذكر {خُطُوَاتِ} التي تفيد التدريج البطيء، وبين طبيعة السقوط في الإفك؛ حيث بدأ بهمزة وسوسة خفية، ثم حديث في المجالس، ثم إشاعة مستطيرة؛ وهكذا يصنع إبليس خطوة تلو خطوة حتى يوقع العبد في كبائر الموبقات.
ختم الآية بصفتي {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يناسب سمعه لكل كلمة قيلت وعلمه بما تكنه الضمائر وما يدبره الشيطان من مكائد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الجبر في قوله {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}:
قد يتوهم قاصر الفهم أن تزكية الإنسان مسلوبة الإرادة وأن المشيئة تلغي كسب العبد.
الجواب المحكم: أن الآية سيقت في مساق الامتنان وبيان عجز العبد الذاتي عن تحصيل الطهارة التامة بغير معونة خالقه وفضله، فالتزكية هداية توفيق وإعانة وقبول، والمشيئة الإلهية هنا تابعة للحكمة والعدل؛ يزكي من علم منه صدق الإقبال والإنابة، ويخذل من ركب رأسه واتبع خطوات الشيطان باختياره وكسبه، فالعبد مأمور بالنهي {لَا تَتَّبِعُوا} ومحاسب على فعله، والفضل كله لله ابتداء وانتهاء.
المجاز الاستعاري في {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: حيث شبّه وسوسة إبليس وإغواءاته التدريجية بآثار أقدام السائر التي يقتفيها التابع، وهو تمثيل حسي بالغ الدقة لكيفية انحدار الإنسان إلى المعصية.
فيض التدبر الإيماني: أن السلامة من الخطايا ليست بكثرة حيلة العبد ولا بذكائه المحض، بل بعين الرعاية الإلهية؛ فكم من ذكي زلت به القدم وكم من ضعيف حفظه فضل ربه، فالمؤمن دائم الافتقار إلى تزكية مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الحذر من الاستدراج ومقدمات المعاصي: تربية النفس على قطع الطريق أمام بواكير المنكر؛ فالنظرة خطوة، والخواطر خطوة، حتى يستحكم الذنب.
هدم الغرور والعجب بالطاعة: تذكير المسلم بأن صلاحه واستقامته فضل رباني محض {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}، مما يقتلع كبر النفس وعجبها بعملها.
الاستعاذة الدائمة والافتقار القلبي: تحويل المعرفة بعداوة الشيطان إلى يقظة دائمة، واللجوء المستمر إلى الله طلباً للعصمة والتطهير.