روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص244)مصدر غير محدد١٩/٢٤٤ بسنده عن قتادة في قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ} قال: "على الرسول ما حُمّل من أداء الرسالة والبلاغ المبين، وعليكم ما حُمّلتم من طاعته والاتباع وحسن الاستجابة".
وأخرج الإمام أحمد ومسلم في صحيحه من حديث علقمة بن وائل عن أبيه أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمِّلتم".
وقال ابن كثير: "أي عليه ما ألزمه الله به من البلاغ وأداء الأمانة، وعليكم ما ألزمكم به من السمع والطاعة والامتثال، وإن تطيعوه في جميع أموره تهتدوا إلى الحق وصراط العزيز الحميد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حُمِّلَ}: كُلِّف به وأُلزم به من الواجبات الشرعية.
{الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}: الإيصال الواضح الظاهر للرسالة بلا كتمان ولا التباس.
{فَإِن تَوَلَّوْا}: الفاء استئنافية أو عاطفة، إن شرطية جازمة، تولوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل، أو مضارع حذفت منه إحدى التاءين (تتولوا).
{فَإِنَّمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إنما كافة ومكفوفة.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور خبر مقدم.
{مَا حُمِّلَ}: ما موصولة في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة حُمّل صلتها مبنية للمجهول ونائب الفاعل مستتر.
{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}: ما نافية، على الرسول خبر مقدم، إلا أداة حصر، البلاغ مبتدأ مؤخر، والمبين نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع تجريد الحساب وتوزيع المسؤوليات في هذا النص القرآني الحكيم! فبعد أن فضح نفاقهم ورد أيمانهم، وجه الأمر الحاسم بطاعة الله وطاعة رسوله، ثم أعلن فصلاً تاما للمسؤوليات؛ لئلا يظن أحد أن إعراض المعرضين يضر الرسول أو ينقص من دينه شيئاً.
الربط القطعي بين الهداية وطاعة الرسول: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}؛ صياغة شرطية جازمة لا تحتمل الاستثناء؛ فالطريق الوحيد إلى هداية العقول وطهارة القلوب هو اتباع سنته صلى الله عليه وسلم.
ختام الآية بحصر وظيفة الرسول: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتأكيد لحرية المكلف ومسؤوليته الذاتية عن عاقبة أمره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة استقلال المسؤولية في الإسلام:
تقرر الآية أصلاً قرآنياً عظيماً: وهو أن تقصير أحد الطرفين في واجبه لا يسوغ للطرف الآخر إسقاط واجبه؛ فالرسول أدى ما عليه من البلاغ المبين، والمكلفون ملزمون بما عليهم من الطاعة، ولا تزر وازرة وزر أخرى؛ فلا يجوز لمن خذله الناس أو جار عليه مسؤول أن يفرط في طاعة الله بدعوى ظلم الآخرين له.
أسلوب القصر والحصر بـ {مَا... إِلَّا}: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}؛ لتحديد حدود مهمة النبوة وأنها هداية دلالة وبلاغ معجز، وليست سيطرة ولا إجباراً للقلوب على الإيمان.
التكرار بالفعلين {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}: للتأكيد على استقلال طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه من السنن والتشريعات.
تدبر كلمة {تَهْتَدُوا}: جواب الشرط المجزوم، يدل على أن الهداية ثمرة مباشرة وسريعة للاتباع؛ فبقدر حظ العبد من طاعة رسوله يكون حظه من النور والهداية والبصيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم: تحكيم سنته في العبادات والمعاملات والأخلاق وتقديم قوله على كل رأي.
رسالة الداعية في البلاغ المبين: أن يركز الداعية جهده على وضوح البيان ونصح الخلق دون أن يثقل كاهله بالنتائج وهداية القلوب؛ فإنما عليه البلاغ وعلى الله الحساب.
تحرير الإرادة وتحمل المسؤولية: استشعار كل فرد أنه مسؤول أمام الله عن كسبه وطاعته، ولن يعذر بضلال من ضل في مجتمعه.