روى الطبري (ج19، ص253)مصدر غير محدد١٩/٢٥٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاماً من الأنصار يقال له مُدْلِج إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فهجم عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر: يا رسول الله، وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في الاستئذان، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ...}".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ترك الناس العمل بهذه الآية: آية الاستئذان؛ غلب عليهم الشيطان... إن الله رحيم بعباده، حكيم في شرعه؛ أمر المماليك والصبيان بالاستئذان في هذه العورات الثلاث".
وبيّن ابن كثير أن هذا أدب رفيع فرضه الله لصيانة البيوت في الأوقات التي يغلب فيها تجرد الإنسان من ثيابه وابتذاله في لباس النوم والراحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْحُلُمَ}: بضمتين الاحتلام وبلوغ مبلغ الرجال.
{الظَّهِيرَةِ}: وقت انتصاف النهار واشتداد الحر حيث يقيل الناس ويضعون ثيابهم.
{عَوْرَاتٍ}: جمع عورة، وهي الخلل والموضع الذي يستحيا من كشفه ويجب ستره.
{طَوَّافُونَ}: جمع طواف، وهو الذي يكثر التردد والدخول والخروج للخدمة وقضاء الحوائج.
{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ}: معطوف على الذين، وفعل مجزوم بلم والواو فاعل والحلم مفعول به.
{ثَلَاثَ مَرَّاتٍ}: نائب عن المفعول المطلق منصوب بالفتحة وهو مضاف، ومرات مضاف إليه.
{مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ}: بدل تفصيل من ثلاث مرات، أو متعلق بيستأذنكم.
{وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم}: معطوف وظرف ومضاف ومفعول به.
{مِّنَ الظَّهِيرَةِ}: متعلق بحين أو بحال من ثيابكم.
{وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ}: معطوف بمثله.
{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ}: ثلاث مبتدأ خبره محذوف تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي ثلاث عورات، وقرئ بالنصب (ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ) بدلاً من ثلاث مرات.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ}: نفي الإثم بعد هذه الأوقات.
{طَوَّافُونَ عَلَيْكُم}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم طوافون، أو مبتدأ خبره {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: تذييل بالعلم والحكمة في التشريع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع عودة السورة في ختامها إلى المحراب الذي بدأت به: محراب البيت والأسرة والستر الداخلي! فبعد أن فصلت الاستئذان العام للأجانب والرجال والنساء في وسط السورة، جاءت هنا لتبني أدق تفاصيل الحياء الداخلي بين أفراد الأسرة الواحدة (الخدم، والمماليك، والأطفال غير البالغين).
تحديد الأوقات الثلاثة بدقة بيانية متناهية توافق الفطرة:
قبل الفجر (وقت النهوض من النوم والانتقال من ثياب الفراش إلى ثياب اليقظة).
الظهيرة (وقت القيلولة وتخفف الثياب من شدة الحر).
بعد صلاة العشاء (وقت خلع ثياب العمل ولبس ثياب النوم والخلوة بين الزوجين).
الموازنة الدقيقة بين الستر ودفع الحرج: أوجب الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لشدة مظنة انكشاف العورة، ورخص في ما عداها لكونهم طوافين يترددون للخدمة، فلو وجب الاستئذان دائماً لوقعت المشقة الكبرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة استئذان الأطفال الصغار والمماليك:
قد يقال: لماذا يستأذن الصبي غير المكلف والمملوك الخادم؟
الجواب التربوي والنفسي العبقري:
الصبي وإن لم يكن مكلفاً إلا أنه ذو بصر وذاكرة تنطبع فيها المشاهد؛ فرؤيته لعورات والديه وخلوتهما يخدش براءته الفطرية ويوقظ الغرائز في غير أوانها.
تربية الصبي على الاستئذان في صغره تجعله ينشأ عفيف الطبع مألوف الحياء إذا بلغ؛ فالتربية تبدأ بالتعويد قبل التكليف.
صيانة الزوجين وحفظ أسرارهما وراحتهما التامة في بيتهما دون مباغتة محرجة.
تسمية الأوقات عورات: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ}؛ مجاز مرسل أطلق فيه اسم العورة على الزمان لاشتماله على انكشاف العورة؛ وهو قمة في البلاغة والتنبيه.
التعبير بـ {طَوَّافُونَ عَلَيْكُم}: تشبيه بديع بحركة الطائفين بالبيت؛ لبيان كثرة حركتهم وترددهم بالخدمة وتبرير رفع الحرج عنهم في سائر الأوقات.
تدبر دقة التوجيه الإلهي: كيف يتنزل رب العزة سبحانه من علياء سمائه لينظم أوقات نوم العباد وخلوات غرف نومهم؛ ليعلمنا أن الدين منهاج حياة متكامل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدريب العملي للأبناء على الحياء: تعويد الأطفال من سن التمييز على طرق الباب والاستئذان قبل دخول غرفة الوالدين في هذه الأوقات الثلاثة.
صيانة خلوة الزوجين: الالتزام بهذه الآداب لحفظ المودة وراحة البيت وصيانة الأعين من العورات.
شكر حكمة الشريعة ويسرها: استشعار كمال الشريعة التي رفعت الحرج عن حركة الخدم والأبناء في غير أوقات العورات.