روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
وروى مسلم في صحيحه (حديث رقم 3029)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٩ في سبب نزول قوله: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان لعبد الله بن أُبيّ بن سلول جاريتان يقال لإحداهما: مُعَاذَة، وللأخرى: مُسَيْكَة، فكان يكرههما على الزنا ويبتغي عليهما كسبه، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}".
وبيّن الطبري (ج19، ص182)مصدر غير محدد١٩/١٨٢ أن قوله: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ... فَكَاتِبُوهُمْ} حث على مكاتبة الأرقاء لتمكينهم من نيل حريتهم بالسعي والكسب المشرف إذا علم فيهم الخير والصلاح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلْيَسْتَعْفِفِ}: السين والتاء للمبالغة في طلب العفة وبذل الجهد التام في قمع الشهوة والتصبر.
{لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا}: أي لا يجدون مؤن النكاح وتكاليفه من مهر ونفقة وسكن.
{الْكِتَابَ}: المكاتبة، وهي عقد بين السيد ورقيقه يشتري به العبد نفسه بمال منجم يؤديه على أقساط ليصير حراً.
{الْبِغَاءِ}: الزنا، وسمي بغاء لأنه بغي وتجاوز لحدود الله.
{حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ}: حتى غائية، يغنيهم مضارع منصوب بأن مضمرة والهاء مفعول به والله فاعل.
{فَكَاتِبُوهُمْ}: الفاء رابطة، كاتبوا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}: شرط وفعل ماض وفاعل، خيراً مفعول به، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
{وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ}: أمر مبني على حذف النون، والهاء مفعول أول، ومحذوف مفعول ثان تقديره شيئاً، أو من مال الله في محل المفعول الثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يمثل التشريع البديل لمن تعذرت عليه أسباب الزواج؛ فمن لم يجد وسيلة للإعفاف بالنكاح أُمر بالاستعفاف والصبر حتى يفتح الله له أبواب الغنى، لئلا يكون العجز المالي مسوغاً لارتكاب الفاحشة.
الاقتران العجيب بين الاستعفاف، ومكاتبة الرقيق لإطلاق حريتهم، والنهي الصارم عن استغلال الإماء في البغاء: لوحة تشريعية متكاملة لتحرير الإنسان من استرقاق الشهوة، وتحريره من رق العبودية والابتزاز المالي الدنيء.
التذييل بالمغفرة والرحمة للمكرهات: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، طمأنة للضحايا المستضعفات ورفع للإثم عنهن، وتوجيه للعقوبة والإثم الكامل على من أكرههن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة في قوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}:
الإشكال: هل يجوز إكراههن إذا لم يُردن تحصناً؟
الجواب المحكم بالأصول والبلاغة:
هذا القيد خرج مخرج الغالب والواقع الميداني؛ لأن الإكراه لا يتصور عقلاً إلا مع إرادة التحصن؛ إذ لو لم ترد المرأة التحصن وكانت راغبة في البغاء لم تكن مكرهة بل كانت باغية باختيارها.
والشرط إذا خرج مخرج الغالب أو الواقع لم يكن له مفهوم مخالفة بإجماع الأصوليين، فالإكراه محرم والبغاء محرم في كل حال، وإنما سيق لتقبيح فعل رأس النفاق الذي كانت فتياته يطلبن العفاف والطهر وهو يدفعهن إلى الفجور طلباً لعرض الدنيا.
إضافة المال إلى الله: {مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}؛ تذكير مؤثر للسادة وأصحاب الأموال بأن المال مال الله استخلفهم فيه، فمن شكر هذه النعمة مساعدة العبيد المكاتبين والفقراء في نيل حريتهم وعفافهم.
التعبير بـ {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: تصوير لحقارة ما يناله المبتز من دراهم معدودة في مقابل تلويث الأعراض وانتهاك الكرامة الإنسانية.
رفع الحرج عن المكره: قاعدة الشريعة في نفي المؤاخذة عن المكره والمستضعف، وتأكيد رحمة الله الواسعة بعباده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر والاستعفاف عند العجز عن الزواج: الالتزام بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم وحفظ الجوارح، وعدم الاستسلام للضغوط والشهوات.
محاربة الاتجار بالبشر واستغلال الضعفاء: الوقوف الصارم ضد كل أشكال الاستغلال الجنسي والمالي للمرأة والعمالة المستضعفة في العالم المعاصر.
البذل والمعونة لتحرير العباد وتفريج كربهم: الإنفاق في وجوه فكاك الرقاب ومساعدة الغارمين وتأهيل العاجزين عن الكسب.