روى الطبري (ج19، ص155)مصدر غير محدد١٩/١٥٥ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} قال: "حسابهم الحق وجزاءهم بالعدل"، وروي نحو ذلك عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي. فالدين هنا بمعنى الجزاء والحساب، كما في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.
وبيّن ابن كثير والقرطبي أن المعنى: يوفيهم الله جزاء أعمالهم وفاقاً بالعدل التام دون ظلم أو نقص، وقوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} أي يتيقنون حين يعاينون الحقائق أن وعد الله ووعيده وحسابه هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الله هو الإله الحق العادل الظاهر أمره وبرهانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُوَفِّيهِمُ}: التوفية هي إعطاء الحق كاملاً تاماً غير منقوص.
{دِينَهُمُ}: الدين يطلق في اللغة على الحساب والجزاء، ومنه المثل: كما تدين تدان، ويطلق على الطاعة والملة.
{الْحَقَّ}: الثابت الذي لا زوال له ولا باطل فيه، وهو صفة لدينهم أو لله جل جلاله على اختلاف القراءات والتوجيه.
{الْمُبِينُ}: اسم فاعل من أبان، أي المظهر للحقائق والمبين للعدل ولأحوال عباده.
الإعراب:
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ يوفيهم، وإذ اسم مبني على السكون وحرك بالكسر للتنوين تنوين العوض.
{يُوَفِّيهِمُ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع.
{أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}: أن واسمها وخبرها، وهو ضمير فصل، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي يعلمون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتكامل هذه الآية مع ما قبلها؛ فبعد أن بينت شهادة الجوارح التي تخرس المجرمين، بينت مآل تلك الشهادة وهو الحساب التام العادل والجزاء الموفي الذي لا وكس فيه ولا شطط.
التدرج من علم الاستدلال في الدنيا إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين في الآخرة؛ حيث تتلاشى كل الشبهات وتضمحل أكاذيب أهل الإفك والمنافقين أمام جلال الحق المبين.
إسناد التوفية إلى الله تعالى مباشرة فيه طمأنة للمظلومين المقذوفين بأن حقهم لن يضيع، وزجر ساحق للظالمين بأن خصمهم هو الله الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قرر المتكلمون والمفسرون أن هذا الإدراك يوم القيامة علم اضطرار لا علم تكليف؛ فالكفار والمنافقون في الدنيا كانوا في شك وريب وعناد، أما في الآخرة فإن انكشاف الغطاء يضطرهم إلى الإقرار بأن الله هو الإله الحق وأن وعده حق.
رد دعوى تأخر الجزاء: قد يرى الظالم تأخر العقوبة في الدنيا فيظن الإفلات، فجاءت الآية لتؤكد أن الحساب مؤجل إلى ميعاد التوفية المطلقة حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم.
توكيد المعرفة بـ {أَنَّ} وضمير الفصل {هُوَ}: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}، لقصر الحقيقة التامة عليه سبحانه ونفي كل باطل وزيف.
صفة {الْمُبِينُ}: فيها إشارة إلى إظهار كل ما كان خافياً في صدور المنافقين وفي ظلم الليالي من تآمر وافتراء؛ فالحق يبين كل خبيء ويفضح كل مستور.
تدبر عدالة الجزاء: التعبير بـ {يُوَفِّيهِمُ} يبعث في قلب المؤمن سكينة لا حد لها؛ فكل مظلمة ستوفى، وكل طعنة في العرض سيعوض صاحبها وتقتص العدالة الإلهية من صاحبها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالعدالة الإلهية المطلقة: ثبات الداعية والمصلح حين يواجه حملات التشويه، متوكلاً على أن يوم التوفية آت لا محالة.
محاسبة النفس قبل يوم الحساب: إدراك العبد أن حسابه سيكون دقيقاً موفى، فيبادر إلى التحلل من المظالم وحقوق العباد في الدنيا.
ترسيخ اسم الله (الحق المبين) في القلب: تعظيم الله سبحانه والانقياد لشرعه الحق، ونبذ كل ما يخالفه من الأهواء والباطل.