استدل القرآن الكريم بمشهد التسبيح الكوني التام لبيان انقياد الكائنات وخضوعها لبارئها سبحانه؛ روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص222)مصدر غير محدد١٩/٢٢٢ بسنده عن مجاهد في قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال: "الصلاة لبني آدم، والتسبيح لجميع الخلق".
وعن قتادة والسدي: "كل صنف من هذه الأصناف قد علم صلاته وتسبيحه التي كلفها وألهمها، فالطير تسبح في الهواء، والحيتان في الماء، والدواب في الأرض".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ألهم كل مخلوق كيف يدعو ويسجد ويسبح ربه بحسب فطرته التي خلقه عليها".
وبيّن ابن كثير (ج6، ص60)مصدر غير محدد٦/٦٠ أن الطير خصت بالذكر مع دخولها في عموم أهل الأرض لأنها مظهر عجيب من مظاهر القدرة والإتقان؛ تسبح في جو السماء باسطات أجنحتها وقابضات، فكل قد ألهمه الله صلاته وتسبيحه، والله محيط بأعمالهم لا يعزب عنه مثقال ذرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُسَبِّحُ}: التسبيح التنزيه والتقديس لله تعالى عن كل نقص وعيب، بالقول والفعل وحال الانقياد.
{صَافَّاتٍ}: باسطات أجنحتها في الهواء عند طيرانها تصطف اصطفافاً منتظماً.
الإعراب:
{أَلَمْ تَرَ}: الهمزة للاستفهام التقريري والتعجيبي، لم جازمة، تر مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والرؤية قلبية علمية.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل يسبح، وغلب العاقل لاشتمال السماوات والأرض على العقلاء والملائكة.
{فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: صلة الموصول أو متعلق بمحذوف صلة.
{وَالطَّيْرُ}: الواو عاطفة، الطير معطوف على (من) مرفوع بالضمة، أو مبتدأ خبره محذوف.
{صَافَّاتٍ}: حال منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنها جمع مؤنث سالم.
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ}: كل مبتدأ والتنوين عوض عن مضاف إليه (كل مخلوق)، قد حرف تحقيق، علم فعل ماض وفاعله مستتر يعود على كل أو على الله، وصلاته مفعول به ومضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}: جملة تذييلية مؤكدة لإحاطة علم الله تعالى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع الانتقال من عمار المساجد المتعبدين إلى معبد الكون الفسيح! فبعد أن ذكر المؤمنين المسبحين في بيوت الله بالغدو والآصال، وسّع أفق المشهد ليرى الإنسان أن الكون كله - بسماواته وأرضه وحيواناته وطيوره - محراب ساجد يسبح لربه بحمد وخضوع.
تخصيص {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} بعد العموم: مشهد حسي متجدد يراه كل إنسان رأي العين في كبد السماء؛ فالطير المعلقة في الهواء كأنها معابد طائرة تسبح خالقها بحركات أجنحتها وأصواتها.
التذييل بـ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}: تنبيه للإنس والجن المكلفين؛ فإن كانت العجماوات قد علمت صلاتها وتسبيحها وامتثلت، فكيف يتخلف المكلف العاقل عن عبادة مولاه؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة تسبيح الجمادات والحيوانات:
هل تسبيح الكائنات تسبيح دلالة وحال (أي تدل بخلقتها على وجود الصانع)، أم تسبيح حقيقي بمقال ونطق يفهمه الله؟
الجواب المحكم لأهل السنة والجماعة:
مذهب سلف الأمة وجمهور المحققين أن تسبيح الكائنات والطيور والجمادات تسبيح حقيقي بلسان المقال والنطق الذي خلقه الله فيها ولا نفقهه نحن؛ لقوله تعالى الصريح في سورة الإسراء: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، فنفي فقهنا لتسبيحها دليل قاطع على أنه ليس مجرد دلالة حالية يدركها كل عاقل، بل هو نطق وتسبيح ألهمه الله لكل مخلوق بحسب طبيعته.
كما ثبت حنين الجذع وتسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خرق للعادة أظهر الحقيقة الكامنة المستمرة في سائر المخلوقات.
الاستعارة والتشبيه الحركي الرائع في {صَافَّاتٍ}: تصوير بديع لحركة الطيران وحركة الأجنحة التي تبسطها الطيور في صفوف منتظمة تعكس التناسق والنظام الكوني الباهر.
الإبهام والتفخيم في {كُلٌّ}: التنوين التمكيني الدال على العموم والاستغراق لكل ذرة ومجرة وكائن في الوجود.
فيض التدبر: استشعار المؤمن أنه ليس نشازاً في هذا الوجود، بل هو ينسجم مع جوقة التسبيح الكونية الكبرى؛ فالأشجار والطيور والرياح كلها رفيقة له في تمجيد الرب العلي الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحياء من التخلف عن ركب التسبيح: توبيخ للنفس الإنسانية حين تغفل عن ذكر الله، بينما الطير في الهواء والسباع في الفلوات لا تفتر عن التسبيح.
التدبر في ملكوت السماوات والأرض: إعمال النظر في آيات الآفاق وحركات الطيور كمدخل إيماني لتجديد اليقين بعظمة الخالق وقدرته.
المحافظة على التوازن البيئي والرحمة بالحيوان: استشعار أن كل دابة وطائر هي أمم مسبحة لها حرمة التسبيح وحق العيش، فلا يجوز العبث بها أو صيدها لهواً بغير منفعة.