قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص104)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٤ وابن كثير (ج6/ ص337)مصدر غير محدد٦/٣٣٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم خاتماً هذه السورة العظيمة بالوصية الجامعة بالثبات والصبر: فاصبر يا محمد على ما تلقاه من أذى قومك وتكذيبهم واستهزائهم، وامضِ لما أمرك الله به من البلاغ؛ فإن وعد الله الذي وعدك من نصرتك وإظهار دينك وإعزاز كلمتك وخزي أعدائك حق يقين لا خلف فيه ولا تبديل، ولا يستفزنك ولا يستخفنك هؤلاء المشركون الفاقدون لليقين عن دينك وصبرك وطريقك القويم».
أثر الآية في هدي السلف:
روى ابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنه كان في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج وهو يصلي قائلاً: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}؛ فأجابه علي رضي الله عنه وهو في صلاته صابراً محتسباً قارئاً قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَاصْبِرْ»: الصبر هو حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصيته، وحبسها عن التسخط والجزع من أقداره.
«حَقٌّ»: الحق الثابت المتحقق الذي لا يداخله شك ولا يخالطه ريب.
«لَا يَسْتَخِفَّنَّكَ»: الاستخفاف مأخوذ من الخِفَّة ضد الثقل؛ والمراد لا يستفزنك، ولا يزعجنك، ولا يخرجنك عن حلمك ورزانتك وثباتك، ولا يحملنك على الطيش وخفة الحلم بما يفعلونه من أذى وجهل.
«يُوقِنُونَ»: اليقين هو استقرار العلم الجازم التام في القلب الذي لا يعتريه شك ولا شبهة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَاصْبِرْ}: الفاء فصيحة رابطة لنتيجة ما تقدم، اصبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ}: إن واسمها المنصوب ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{حَقٌّ}: خبر إن مرفوع بالضمة، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة.
{يَسْتَخِفَّنَّكَ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بـ {لا} الناهية، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل {يستخفنك}.
{لَا يُوقِنُونَ}: لا نافية، يوقنون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع والختام المعجز للسورة: خُتمت سورة الروم بأعظم ركيزتين في البناء التربوي والدعوي للأمة: (الصبر، واليقين)؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين»، مستدلاً بهذه الآية وبقوله تعالى في سورة السجدة: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
وخُتمت السورة بذات التثبيت الصارم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}.
فالتقت الفاتحة بالخاتمة في نسق عقدي فخم يبث السكينة واليقين بأن النصر للمؤمنين وأن العاقبة للحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التراجع أمام استفزازات قوى الباطل وتهديداتها: قد تتعرض الحركات الدعوية والعلماء لضغوط هائلة واستفزازات إعلامية وسياسية لإخراجهم عن ثوابتهم ودفعهم إلى التنازل أو ردود الفعل الطائشة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقدم هذه الآية الدرع الواقي والاستراتيجية النفسية العظمى للمسلم والداعية؛ فالمبطلون خفيفو الوزن، طائشون، فاقدون لليقين: {الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}؛ ومن لا يقين عنده فهو خفيف تتقاذفه الأهواء، أما صاحب الإيمان واليقين فهو كالطود الأشم الراسخ: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؛ فلا يجوز للثقيل الراسخ أن يستخفه أو يستفزه الخفيف التائه، فالثبات على المبدأ مع الصبر والحكمة هو الذي يقهر خفة الباطل وطيشه.
البلاغة النفسية الدقيقة في التعبير بـ «يَسْتَخِفَّنَّكَ»: استعارة تمثيلية تشبه الداعية بالجبل الرصين الثابت، وتشبه المشككين برياح خفيفة تحاول تحريكه؛ فجاء النهي المؤكد بنون التوكيد الثقيلة: {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ} ليدل على وجوب استصحاب الرزانة والوقار واليقين المطلق.
الإشارة التدبرية: كلما ضعف اليقين في القلب خفّ صاحبه وطاش مع كل شبهة، وكلما قوي اليقين ثقل القلب ورسخ في وجه الأعاصير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسلح بالصبر واليقين في أوقات الفتن والابتلاء: وصية لكل مسلم أن يصبر على دينه، وأن يوقن بأن وعد الله بالجنة والنصر والعاقبة للمتقين حق لا مرية فيه.
عدم الانجرار إلى ردود الأفعال غير المحسوبة: ضبط النفس والاتزان، وتفويت الفرصة على أعداء الدين الذين يحاولون استفزاز أهل الحق ليخرجوهم عن جادتهم الرصينة.