قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص94)جامع البيانالطبري٢٠/٩٤ وابن كثير (ج6/ ص333)مصدر غير محدد٦/٣٣٣: «يقول تعالى ذكره: ولئن أرسلنا على زروعهم ونباتهم ريحاً حارة سموماً أو صرداً بارداً، فرأوا نباتهم وزرعهم قد اصفرّ بعد خضرته ونضارته، وهلك وتلف، لظلوا من بعد تلك الرؤية يكفرون بالله، ويجحدون نعمته السابقة، وينسون ما سلف لهم من الإحسان والخصب، ويظهرون السخط والتسخط على قدر الله».
وعود الضمير في {فَرَأَوْهُ}: يعود على النبات أو السحاب أو الزرع المفهوم من سياق إحياء الأرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مُصْفَرًّا»: الاصفرار في الزرع علامة الجفاف، واليبس، والذبول، والتلف بعد الخضرة والنضارة.
«لَّظَلُّوا»: ظل من أخوات كان يفيد الاستمرار والملازمة؛ أي داموا واستمروا على كفرهم وتمردهم.
«يَكْفُرُونَ»: يجحدون نعم الله السالفة ويسخطون على قضائه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَئِنْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم المقدر، إن حرف شرط جازم.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونا فاعل.
{رِيحًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَرَأَوْهُ}: الفاء عاطفة، رأوه فعل وفاعل ومفعول به أول يعود على الزرع أو السحاب.
{مُصْفَرًّا}: مفعول به ثانٍ منصوب (إن كانت الرؤية علمية أو قلبية)، أو حال منصوبة إن كانت الرؤية بصرية.
{لَّظَلُّوا}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر وجواب القسم أغنى عن جواب الشرط، ظلوا فعل ماض ناقص والواو اسمها.
{مِن بَعْدِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {يكفرون}.
{يَكْفُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر ظل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين ريح الرحمة وريح العذاب:
في الآية (46 و48) ذكر ريح الرحمة المبشرة بالغيث والموجبة للاستبشار.
وهنا في الآية (51) ذكر ريح الضرر والهلاك المحرقة للنبات؛ لبيان كمال التصرف الإلهي في تسخير الريح للرحمة تارة وللعقوبة والابتلاء تارة أخرى.
كشف جحود الطبيعة الإنسانية الخاوية من الإيمان: تفضح الآية خسة الطبع البشري المشرك؛ فحين تأتيه النعم ينسى الشكر ويبطر، وحين يصيبه أدنى تلف في زرعه ينسى كل سوابق الفضل وينقلب كافراً ساخطاً فاقد الصبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاضطراب وسوء الأدب مع الله عند تقلب الأحوال: يسخط الماديون والملاحدة على الوجود والقدر عند وقوع الجفاف أو تلف المحاصيل.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تحاكم الآية هذا السلوك بأنه غاية الجحود وسوء الأدب والعجز العقلي؛ فالرب الذي أطعمك وسقاك وأحيا أرضك سنوات طوالاً بفضله ورحمته، إذا ابتلاك في موسم واحد بآفة زراعية ليمتحن صبرك أو يكفر ذنوبك، فهل يليق بعاقل أن ينسى بحار النعم السابقة ويكفر بربه عند أول محنة؟! إن هذا هو منطق اللئام، أما المؤمن الصادق فيعلم أن الملك ملك الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيصبر ويستغفر.
البلاغة اللونية في {مُصْفَرًّا}: استخدام اللون الأصفر الكالح لتصوير مشهد الجفاف والموت والكآبة التي تعتري الحقول والنفوس بعد بهجة اللون الأخضر.
صيغة الاستمرار في {لَّظَلُّوا... يَكْفُرُونَ}: تفيد انغماسهم التام في الكفران وجحود النعمة واستمرارهم عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النفس على الصبر عند تلف الأموال والزروع: ألا يجزع المسلم إذا أصيبت تجارته أو زرعه بجائحة، بل يسترجع ويقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها".
شكر النعم وعدم نسيانها في المحن: تذكر النعم العظيمة السالفة التي تغمر العبد حين يبتلى بنقص يسير في الثمرات.