قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص79)جامع البيانالطبري٢٠/٧٩: «يقول تعالى ذكره: الله وحده لا شريك له، هو الذي أنشأكم من العدم وبدأ خلقكم، ثم هو الذي يرزقكم بعد أن خلقكم ما تعيشون به من طعام وشراب ولباس، ثم هو الذي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم فيميتكم، ثم هو الذي يبعثكم أحياء بعد موتكم للحساب والجزاء؛ فهل من آلهتكم وأوثانكم وشركائكم من يقدر على أن يصنع شيئاً من ذلك صغيراً أو كبيراً؟! كلا لا يقدرون على شيء».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص327)مصدر غير محدد٦/٣٢٧ أن هذا الإلزام المفحم يقطع دابر الشرك؛ لأن من لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت يستحيل في بديهة العقل أن يستحق أدنى ذرة من العبادة.
تنزيه الله وتقديسه: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}؛ تنزه وتقدس وعلا شأنه علواً كبيراً عن شركهم وإفكهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«خَلَقَكُمْ... رَزَقَكُمْ... يُمِيتُكُمْ... يُحْيِيكُمْ»: أفعال تدل على إحاطة القدرة الإلهية المطلقة بأطوار الوجود البشري من المبدأ إلى المنتهى.
«سُبْحَانَهُ»: اسم مصدر للتسبيح، مفعول مطلق منصوب للتنزيه.
«وَتَعَالَىٰ»: ترفع وعلا عن كل شريك ونقص وعيب.
الإعراب والتركيب النحوي:
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{خَلَقَكُمْ}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{ثُمَّ رَزَقَكُمْ}: عطف بثم، وفعل وفاعل ومفعول به.
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}: معطوف بثم، وفعل مضارع ومفعول به.
{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}: معطوف بثم، وفعل مضارع ومفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نظم أطوار الوجود الأربعة بحرف التراخي {ثُمَّ}: عطف الأطوار الأربعة: (الخلق -> الرزق -> الإماتة -> الإحياء) بحرف {ثُمَّ} الدال على التراخي الزمني؛ للإشارة إلى اتساع مسافة الأجل بين الخلق والرزق، ثم بين الحياة والموت، ثم بين الموت والبعث، وهي دورة حياة كل إنسان.
التدرج من التقرير إلى التبكيت الإلزامي ثم التنزيه: بدأ بتقرير ربوبيته المنفردة، ثم التفت بالاستفهام التبكيتي المفحم: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ}، ولما علم عجزهم التام ختم بإعلان التنزيه المطلق: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الشرك بالله مع الإقرار بانفراده بالخلق: كان كفار مكة يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ولكنهم يشركون معه الأصنام بدعوى الشفاعة والتقريب!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبرهن الآية على تهافت المنطق الوثني وسقوطه العقلي الداخلي؛ فالعقل السليم يقضي بالضرورة التامة بأن من انفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء يجب عقلاً أن ينفرد بالعبادة والدعاء والرجاء والخوف، وأن تسوية من لا يفعل شيئاً من ذلك بمن يفعل ذلك كله هو أقبح الظلم وأسفه الجهل: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
الاستغراق والشمول في حرف الجر الزائد {مِّن شَيْءٍ}: دخول (مِن) الاستغراقية على النكرة (شيء) ينفي عن آلهتهم القدرة على فعل أي ذرة أو أدنى جزء من تلك الأفعال الإلهية العظمى.
الإشارة التدبرية: حياتك ورزقك وموتك وبعثك محصورة في قبضة الله وحده، فما الذي يدعوك للخوف من غيره أو التذلل لسواه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص العبودية والتوكل على الله: توجيه كل أعمال القلوب وجوارحها لله وحده؛ فما دام الرزق والحياة والموت بيده، فلا يُرجى سواه ولا يُخشى غيره.
مداومة تسبيح الله وتنزيهه: تعظيم الله في القلب وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله، وترطيب اللسان بقول "سبحان الله وتعالى عما يشركون".