قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص48)جامع البيانالطبري٢٠/٤٨: «يقول تعالى ذكره: ومن أدلته وبراهينه على قدرته العظيمة وتوحيده أنه خلق أباكم آدم من تراب، ثم أنتم بعد ذلك نسل يتفرع، فإذا أنتم بشر أحياء ناطقون تنبسطون وتنتشرون في الأرض تبتغون من معايشكم ومنافعكم».
وروى الإمام أحمد في المسند والترمذي وصححه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب».
دلالة {إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}: فإذا أنتم خلق عظيم، لحم ودم وعظام وعقول وإرادة، منبثون في أرجاء المعمورة يميناً وشمالاً، بعد أن كان أصلكم تراباً تدوسه الأقدام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«آيَاتِهِ»: الآية هي العلامة الظاهرة والحجة الدالة على صدق ما نُصبت له، والمقصود دلائل الربوبية والوحدانية.
«بَشَرٌ»: سُمي الإنسان بشراً لظهور بشرته وبدوّ جلده دون ريش أو صوف أو شعر يغطيه، وتطلق على جنس الآدميين.
«تَنتَشِرُونَ»: الانتشار هو التفرق والانبثاث والحركة في الأرض للسعي والطلب والعمارة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: الواو استئنافية، من آياته جار ومجرور شبه جملة في محل رفع خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
{أَنْ خَلَقَكُم}: أن حرف مصدري ونصب، خلق فعل ماض، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به والميم للجمع، والمصدر المؤول {أَنْ خَلَقَكُم} في محل رفع مبتدأ مؤخر، والتقدير: «ومن آياته خلقُكم من تراب».
{مِّن تُرَابٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ {خلقكم}.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي واستبعاد النقلة الهائلة بين الأصل والنتيجة.
{إِذَا}: فجائية رابطة.
{أَنتُم}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{بَشَرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{تَنتَشِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لبشر أو حال منه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
افتتاح منظومة الآيات الكونية الكبرى المصدرة بـ {وَمِنْ آيَاتِهِ}: هذه الآية هي الأولى في سلسلة ست آيات بديعة في سورة الروم استفتحت جميعاً بـ {وَمِنْ آيَاتِهِ}؛ لترسم أفق التوحيد الواسع في الأنفس والآفاق، فبدأ بأقرب الآيات إلى الإنسان وهي خلقه هو ونشأته الأولى.
استخدام «إذا الفجائية» بعد «ثم»: عطف بـ {ثُمَّ} الدالة على التراخي والبعد بين التراب الجامد والبشر العاقل، ثم فاجأ السامع بـ {إِذَا} الفجائية: {ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}؛ لتصوير الطفرة الإعجازية الخارقة في تحويل الطين الأصم إلى كائن ناطق حي ينتشر ويتحرك ويعمر الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير الآلي المادي الصرف للنشأة الحيوية: يزعم الماديون أن ظهور الوعي الإنساني والحياة نتاج تفاعلات كيميائية صدفية في التراب والماء.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبين الآية الفجوة الوجودية الهائلة بين "التراب" كعناصر كيميائية ميتة (كربون، حديد، ماء، سيليكون) وبين "البشر" ككيان يحمل الإرادة والعقل والضمير واللغة والانتشار في الأرض؛ فالعناصر الكيميائية موجودة في صخور الجبال ولم تنتج وعياً ولا حياة قط، مما يبرهن عقلياً على أن تحويل هذه الذرات إلى بشر ناطق مريد يحتاج إلى نفخة ربانية وقدرة حكيمة لا يملكها إلا الخالق البارئ المصور.