قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص100)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٠ وابن كثير (ج6/ ص335)مصدر غير محدد٦/٣٣٥: «يقول تعالى ذكره: وقال أهل البصيرة والمعرفة بالله الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بوعده من الملائكة والنبيين والمؤمنين، رادين على المجرمين كذبهم وقسمهم الباطل: لقد لبثتم في علم الله وقضائه المكتوب في اللوح المحفوظ وفي حكم كتابه منذ متم إلى أن بعثتم اليوم، فها هو ذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به في الدنيا، ولكنكم كنتم في الدنيا قوماً جهالاً لا تعلمون صدق وعد الله ولا توقنون بالمعاد».
المراد بـ {فِي كِتَابِ اللَّهِ}:
القول الأول: في قضاء الله وقدره وسابق علمه المكتوب في اللوح المحفوظ.
القول الثاني: في حكم القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب المنـزلة التي أخبرت بأن الموتى يمكثون في البرزخ إلى يوم البعث.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ»: الذين رزقهم الله العلم النافع المقرون بالتصديق واليقين الجازم؛ وهم الرسل وأتباعهم من العلماء والمؤمنين.
«يَوْمُ الْبَعْثِ»: يوم النشور وقيام الخلائق من قبورهم لفصل القضاء.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالَ}: الواو عاطفة، قال فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{أُوتُوا}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول.
{الْعِلْمَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{وَالْإِيمَانَ}: معطوف منصوب، وجملة أوتوا صلة الموصول لا محل لها.
{لَقَدْ}: اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{لَبِثْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة جواب قسم مقدر مقول القول في محل نصب.
{فِي كِتَابِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {لبثتم}.
{إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {لبثتم}.
{فَهَٰذَا}: الفاء فصيحة، ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
{يَوْمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْبَعْثِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَلَٰكِنَّكُمْ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل والكاف اسمها والميم للجمع.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص والتاء اسمها.
{لَا تَعْلَمُونَ}: جملة فعلية منفية في محل نصب خبر كنتم، وجملة كنتم في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاقتران الشريف بين «العلم» و«الإيمان»: قرن الله بين العلم والإيمان: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ}؛ لتقرير أن العلم الحقيقي النافع هو العلم الذي يقود إلى الإيمان، وأن الإيمان الصحيح هو القائم على العلم والبرهان، فالعلم بلا إيمان ضلال وغرور، والإيمان بلا علم جهل وعرضة للشبهات.
الرد الحاسم على وهم الساعة الواحدة: المجرمون حلفوا بجهل: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ}، فجاء رد الراسخين في العلم مبيناً الحقيقة الموزونة: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ}؛ لتثبيت الحقائق وقطع التخرصات.
التنبيه بـ {فَهَٰذَا} الحاضرة المشاهدة: أشاروا إليه باسم الإشارة للحاضر القريب {فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ}؛ لإلزامهم عياناً بما كانوا يستبعدونه وينكرونه نظرياً في الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فضل العلم المجرد الخالي من الإيمان: يتفاخر أصحاب العلوم المادية باكتشافاتهم مع كفرهم بالله وبالبعث.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية حقيقة هؤلاء بأنهم في ميزان الحقيقة والآخرة "جهلاء لا يعلمون شيئاً": {وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ فالذي يجهل بداية وجوده ونهايته ومصيره الأبدي هو أجهل الجاهلين ولو نال أرفع الدرجات الدنيوية؛ فالشرف والكرامة المطلقة إنما هي لمن جمع الله له بين "العلم بالحق" و"الإيمان به والعمل بمقتضاه".