قال الإمام ابن جرير الطبري (جامع البيان، ج20/ ص50)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠: «يقول تعالى ذكره: ومن حججه على قدرته وسلطانه أنه خلق لكم من جنسكم وبني آدم مثلكم إناثاً، لكي تسكنوا إليها وتألفوها؛ إذ لو جعلهن من جنس آخر كالجن أو البهائم لما حصل الائتلاف والمودة والسكينة».
وروى ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص314)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣١٤ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن: «{مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}: المودة هي المحبة والميل القلبي، والرحمة هي الشفقة والعطف؛ فالرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها وإما لرحمته بها بأن يكون لها ولد منه، أو لكبرها وفقرها».
ختام الآية بالتفكر: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ لأن حقيقة الرباط الزوجي وما فيه من أسرار التجاذب النفسي والفسيولوجي والروحي لا يدرك كنهه وعظمته إلا من أعمل فكره وتأمل في دقائق الصنع الإلهي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أَزْوَاجًا»: جمع زوج، ويطلق على الذكر والأنثى المقترنين، والمراد هنا النساء للرجال أو الجنسان لبعضهما.
«مَّوَدَّةً»: المودة خالص الحب وأصفاه، وهي الميل والحرص على إسعاد الآخر.
«رَحْمَةً»: الشفقة والتعاطف والتغافر والستر والرعاية عند الضعف.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: خبر مقدم شبه جملة.
{أَنْ خَلَقَ}: المصدر المؤول مبتدأ مؤخر (أي: خلقُه لكم أزواجاً).
{لَكُم}: جار ومجرور متعلقان بـ {خلق}.
{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من أزواجاً تقدم عليها، أو بـ {خلق}.
{أَزْوَاجًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{لِّتَسْكُنُوا}: اللام لام التعليل، وتسكنوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول متعلق بـ {خلق}.
{إِلَيْهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ {تسكنوا}.
{وَجَعَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر يعود على الله.
{بَيْنَكُم}: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أو بالفعل، وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{مَّوَدَّةً}: مفعول به أول منصوب، و{وَرَحْمَةً} معطوف منصوب.
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ}: إن واسمها المؤخر المنصوب بالكسرة (آياتٍ)، وفي ذلك خبرها المقدم، واللام المزحلقة.
{لِّقَوْمٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لآيات.
{يَتَفَكَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع، والجملة نعت لقوم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من النشأة الفردية إلى النشأة الاجتماعية الأسرية: في الآية السابقة قرر خلق الفرد وانتشاره: {خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}، وهنا بين الركيزة التي يستقر بها هذا الانتشار ويبنى عليها المجتمع، وهي الأسرة ونواة الزوجية؛ لئلا يتحول الانتشار إلى صراع وضياع.
تعدية السكون بـ {إِلَى} دون (عند): قال {لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ولم يقل "تسكنوا عندها"؛ لأن السكون بـ «إلى» يضمن معنى الميل القلبي العاطفي والاندماج والارتواء النفسي والاطمئنان الكامل، وليس مجرد سكون المكان.
الجمع بين المودة والرحمة: لم يقتصر على المودة التي قد تضعف بكبر السن أو المرض، بل ثنّى بالرحمة التي تظلل البيت وتديم العشرة حتى مع فوات مظاهر الجمال والصبا، فكان جمعاً معجزاً لأركان البناء الأسري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النظرة الحيوانية المجردة للعلاقة الزوجية: تفسر بعض المذاهب المادية الغريزية العلاقة بين الذكر والأنثى بأنها مجرد دافع بيولوجي حيواني لحفظ النوع وإفراغ الشهوة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يدحض القرآن هذه النظرة الدونية السطحية بإبراز الأبعاد الروحية والنفسية والأخلاقية الرفيعة للرابطة الزوجية؛ فسماها {سَكَنًا} و{مَّوَدَّةً} و{رَحْمَةً}، والحيوانات تتكاثر بغريزتها لكنها لا تعرف السكن النفسي التكاملي، ولا المودة الواعية، ولا الرحمة الاجتماعية التي تضحي وتتحمل المسؤولية، فغرس هذه المشاعر العميقة في النفوس آية إلهية كبرى يستحيل أن تنتجها المادة الصماء.
التنكير في {أَزْوَاجًا} و{مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}: تنكير التعظيم والتكثير؛ أي أزواجاً من أروع ما يكون ائتلافاً، ومودة لا تحد، ورحمة لا تنضب.
الإشارة التدبرية: السعادة الزوجية هبة إلهية لا تُشترى بالمال ولا بالجمال؛ فالآية نصت على أن الله هو الذي {جَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، فمن أراد دوام المودة في بيته فليطلبها بطاعة الله ورضوانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة ميثاق الزواج والوفاء به: معاملة الزوجين بالمعروف، واستحضار أن الزواج عبادة وسكن ورحمة، وتجنب العنف والجفاء والظلم.
التفكر في عظمة التكوين النفسي: النظر في تناغم الخصائص النفسية بين الرجل والمرأة ليكون كل منهما مكملاً للآخر وحامياً له في مسيرة الحياة.