بين الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص39)جامع البيانالطبري٢٠/٣٩ أن المعنى: الله وحده هو الذي ينشئ الخلق ويبتدعه من العدم على غير مثال سابق، ثم يميته، ثم يعيده حياً كهيئته الأولى بعد البلى والتراب، ثم إليه وحده يُرد العباد جميعاً للحساب والجزاء.
ونقل ابن كثير (ج6/ ص310)مصدر غير محدد٦/٣١٠ أن هذا استدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة؛ فالقادر على إيجاد الشيء من لا شيء قادر بطريق الأولى والأسهل -في موازين العقل- على إعادته بعد فنائه.
القراءات في قوله {تُرْجَعُونَ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، حمزة، الكسائي، أبو جعفر، خلف) بضم التاء وفتح الجيم {تُرْجَعُونَ} مبنياً للمجهول؛ دلالة على قهرية الرجوع ومصير الخلائق الحتمي بقوة الملك الديان.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم {تَرْجِعُونَ} مبنياً للمعلوم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَبْدَأُ»: البدء هو الإيجاد الأول والابتداع والاختراع من غير سبق أصل ولا مثال.
«يُعِيدُهُ»: الإعادة هي إرجاع الشيء إلى ما كان عليه أول مرة بعد زواله وتفرقه.
«تُرْجَعُونَ»: الرجوع هو الإياب والمصير؛ والرد إلى الله للحساب والجزاء.
الإعراب والتركيب النحوي:
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَبْدَأُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
{الْخَلْقَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي الزمني والرتبي.
{يُعِيدُهُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والجملة معطوفة بثم.
{تُرْجَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من براهين التاريخ إلى برهان التوحيد والخلق: بعد أن استعرض مصارع المكذبين وسوء عاقبتهم، التفت هنا إلى إقامة الحجة العقدية الكبرى التي كانوا يكذبون بها، وهي قضية البعث والنشور؛ فقررها في جملة قرآنية محكمة تجمع دورة الوجود كلها في كلمات معدودة: (بدء الخلق -> إعادته -> المرجع والحساب).
الالتفات البلاغي من الغيبة إلى الخطاب: كان السياق قبله في الغيبة عن الكفار: {أَسَاءُوا}، {كَذَّبُوا}، {يَسْتَهْزِئُونَ}، ثم التفت هنا إلى خطاب البشرية كافة: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ ليفاجئ كل سامع بمصيره المحتوم ويهز وجدانه هزاً عنيفاً بأن المرجع فردي وعام محيط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد البعث بعد تحول الجسد إلى تراب وعظام نخرة: احتج المشركون قائلين: {مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقدم الآية برهاناً عقلياً بديهياً لا يقبل النقض: إن الذي بدأ هذا الخلق المعقد من العدم التام بلا أصل ولا قالب سابق، قادر بيقين على جمع أجزائه المتفرقة وإعادته ثانية؛ فالإعادة عند كل عاقل أهون وأيسر في مقاييس الصنعة من الابتداء، والكل في قدرة الله العظيمة سواء بكلمة {كُن فَيَكُونُ}.
إيجاز القصر والإحاطة: جمعت الآية أطوار الوجود البشري الثلاثة (المبدأ، والمعاد، والمصير) في كلمات يسيرة، في نسق بياني يعجز عنه بلاغاء الثقلين.
تقديم المعمول للحصر: في قوله {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لإفادة الحصر والقصر، أي إليه وحده لا إلى غيره من الأصنام أو الآلهة المزعومة، فلا مهرب لأحد من الوقوف بين يديه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار حتمية الرجوع إلى الله: تذكر العبد الدائم بأنه صائر إلى الله حتماً، مما يبعث في نفسه الخوف من التقصير والرغبة في الاستعداد لذلك الموقف العظيم.
توحيد القصد والوجهة: ما دام المرجع والمآل إلى الله وحده، فمن السفه والخسران أن يبتغي الإنسان رضا المخلوقين بسخط الخالق، أو يعلق رجاءه بسواه.