تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الانتقام والنصر:
أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص88)جامع البيانالطبري٢٠/٨٨ وابن كثير (ج6/ ص331)مصدر غير محدد٦/٣٣١ عن قتادة ومجاهد: «يقول تعالى ذكره مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومثبتاً له: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً كثيرين إلى أممهم، فدعوهم إلى توحيد الله بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، فكذبوهم، فعاقبنا المكذبين وأهلكنا المجرمين، وأنجينا الرسل ومن آمن معهم، وكان واجباً حقاً أوجبه الله على نفسه الكريمة تفضلاً وإحساناً أن ينصر عباده المؤمنين».
حديث الدفاع عن عرض المؤمن ونصرته:
روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة»، ثم تلا صلى الله عليه وسلم: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَانتَقَمْنَا»: الانتقام في حق الله تعالى هو إنزال العقوبة العادلة الصارمة بالمجرمين جزاء بغيهم وكفرهم، ونقمت من الشيء إذا كرهته وعاقبت عليه.
«أَجْرَمُوا»: ارتكبوا الجرم العظيم وهو الشرك وتكذيب الرسل والظلم.
«حَقًّا عَلَيْنَا»: واجباً لازماً كتبه الله على نفسه تفضلاً منه وكرماً وإحساناً، لا إيجاباً من مخلوق عليه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو قسمية أو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{مِن قَبْلِكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {أرسلنا}.
{رُسُلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{إِلَىٰ قَوْمِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {أرسلنا} أو بنعت لرسلاً.
{فَجَاءُوهُم}: الفاء عاطفة، جاءوهم فعل وفاعل ومفعول به.
{بِالْبَيِّنَاتِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {جاءوهم}.
{فَانتَقَمْنَا}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، انتقمنا فعل وفاعل.
{مِنَ الَّذِينَ}: جار ومجرور متعلقان بـ {انتقمنا}.
{أَجْرَمُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول لا محل لها.
{وَكَانَ}: الواو استئنافية أو اعتراضية، كان فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{حَقًّا}: خبر كان مقدم منصوب بالفتحة الظاهرة.
{عَلَيْنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ {حقاً}.
{نَصْرُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من آيات الآفاق الطبيعية إلى نواميس الرسالات ونصر الرسل: كما أن الله يرسل الرياح رحمة بالأرض، فهو سبحانه يرسل الرسل رحمة بالخلق، وكما تسير الرياح الفلك بأمر الله، فإن سنته الماضية تقضي بإنجاء المؤمنين وإهلاك المجرمين.
تقديم الخبر {حَقًّا} وتأكيده بـ {عَلَيْنَا}: تقديم الخبر في قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} يفيد غاية العناية والتوكيد والتشريف؛ فالنصر للمؤمنين ليس مجرد احتمال أو تفضل عارض، بل هو وعد إلهي جازم وميثاق مبرم لا يتخلف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تأخر النصر واستعلاء الباطل في بعض الأزمنة: يوسوس البعض عند ضعف المسلمين وتكالب الأعداء: أين وعد الله بنصر المؤمنين؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بيّن المحققون (كابن القيم والرازي وابن عاشور) أن هذا الوعد الإلهي المطلق مقيد بشرطه الأصيل وهو: "تحقيق الإيمان الصادق الخالص علماً وعملاً واستعداداً وإعداداً"؛ فإذا حققت الأمة مقتضى الإيمان وتجردت من المعاصي والفرقة وأخذت بأسباب القوة، نصرها الله حتماً كما نصر نوحاً وهوداً وصالحاً ومحمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وتأخر النصر أحياناً إنما هو لنقص في تحقيق شروط الإيمان، أو لتمحيص الصفوف، أو لحكمة تأخير العذاب للمجرمين ليكون أخذهم أشد وأعظم.
إسناد الإيجاب إلى الذات العلية تفضلاً: قوله {حَقًّا عَلَيْنَا} فيه تنـزيل للفضل الإلهي منـزلة الحق الواجب الملزم؛ تكريماً لعباده المؤمنين وتطميناً لقلوبهم؛ فالكريم إذا وعد ألزم نفسه بالوفاء.
الإشارة التدبرية: من كان مع الله في الشدة والرخاء، كان الله معه بالنصر والظفر؛ فلا يضيع مؤمن استنصر بربه وصدق في جهاده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بنصر دين الله: الثقة بأن العاقبة للمتقين، وأن جولات الباطل زائلة مهما انتفخ وطغى.
نصرة المظلومين والدفاع عن المؤمنين: التأسي بالخلق القرآني؛ فإذا كان الله قد جعل نصر المؤمنين حقاً عليه، فأولى بالمؤمن أن ينصر أخاه المؤمن بالحق ويدافع عن عرضه ودمه.