أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص73)جامع البيانالطبري٢٠/٧٣ عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا}: «السلطان هنا: الحجة والبرهان والكتاب السماوي المنـزل من عند الله، أي هل أنزلنا عليهم كتاباً ينطق بصحة شركهم ويأمرهم باتخاذ الأنداد؟! كلا لم ننـزل شيئاً من ذلك، فشركهم مجرد افتراء وكذب واقتداء بالضلال».
وقال ابن كثير (ج6/ ص324)مصدر غير محدد٦/٣٢٤: «هذا استفهام إنكاري توبيخي؛ أي ليس لهم حجة عقلية ولا نقلية على شركهم، فالنقل منتفٍ كلياً، والعقل يوجب التوحيد ويبطل الشرك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أَمْ»: المنقطعة التي تفيد الإضراب والاستفهام الإنكاري بمعنى (بل أ).
«سُلْطَانًا»: الحجة الظاهرة القاطعة التي تسلط صاحبها على الخصم وتسكته، وتطلق على الكتاب المنـزل.
«يَتَكَلَّمُ»: النطق والبيان والدلالة الواضحة التي لا لبس فيها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَمْ}: حرف عطف وإضراب انقطاعي متضمن معنى همزة الاستفهام الإنكاري.
{أَنزَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، ونا فاعل.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أنزلنا}.
{سُلْطَانًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَهُوَ}: الفاء عاطفة لترتيب الكلام، هو ضمير منفصل مبتدأ يعود على السلطان (الكتاب).
{يَتَكَلَّمُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {هو}.
{بِمَا}: جار ومجرور متعلقان بـ {يتكلم}، وما موصولة.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص والواو اسمها.
{بِهِ}: متعلقان بـ {يشركون}.
{يُشْرِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الدليل النقلي بعد إسقاط الدليل العقلي: في الآية (28) أسقط القرآن الدليل العقلي للشرك بمثل العبد والشركاء، وهنا في الآية (35) أسقط الدليل النقلي التوثيقي: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا}؛ فلم يبقَ للمشرك أي مستند يعتمد عليه سوى الهوى والتقليد الأعمى.
المجاز العقلي في إسناد «الكلام» إلى السلطان: وصف الكتاب أو البرهان بأنه {يَتَكَلَّمُ} مبالغة في كمال الدلالة والوضوح؛ فلو نزل كتاب لكان ناطقاً بالحق صريحاً، فلما انتفى الكتاب الناطق بطل شركهم من أساسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكانية الاستناد إلى وحي سابق في عبادة الأوثان: يزعم بعض أتباع الملل المحرفة أن كتبهم تأذن باتخاذ التماثيل والوسائط وتقديس الصالحين.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية قاعدة إبستيمولوجية (معرفية) صارمة: كل دعوى في الدين لا تستند إلى "سلطان منـزل" (وحي إلهي قطعي الثبوت والدلالة) فهي باطلة ومردودة؛ لأن أمور الغيب والعبادة توقيفية لا تثبت بالعقول المجردة ولا بالأذواق ولا بالمنامات ولا بتقاليد الآباء، وجميع رسل الله من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم نزل سلطانهم بالتوحيد الخالص والنهي القاطع عن الشرك.
الاستفهام الإنكاري الإفحامي: تبكيت المشركين ومحاصرتهم؛ فإذا عجزتم عن إبراز وثيقة سماوية واحدة تسند كفركم، فبأي حق تعبدون ما لم ينـزل الله به سلطاناً؟!
الإشارة التدبرية: قوة الحق وسلطانه؛ فالوحي حجة قاهرة تملك السلطان على العقول والقلوب، بينما الباطل هش لا سلطان له ولا برهان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المطالبة بالدليل والبرهان في مسائل العقيدة: تعويد المسلم على ألا يقبل فكرة أو معتقداً إلا بدليل شرعي صحيح وبرهان عقلي صريح؛ فدين الإسلام دين الحجة والبرهان.
إبطال البدع والخرافات: رد كل عبادة مستحدثة أو خرافة لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بموجب هذه القاعدة العظيمة.