دعوة القرآن إلى التفكر في الأنفس والآفاق: قال الطبري (جامع البيان، ج20/ ص33)جامع البيانالطبري٢٠/٣٣: «يقول تعالى ذكره: أو لم يتفكر هؤلاء المكذبون بوعد الله الغافلون عن الآخرة في أنفسهم، فيعلموا أن الذي خلقهم ولم يكونوا شيئاً قادر على إعادتهم، وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً ولا باطلاً، بل خلقهما بالحق ولأجل ينتهيان إليه، وهو قيام الساعة ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته».
بيان كفر الكثرة بلقاء الله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}؛ أي يجحدون البعث والنشور والحساب، استبعاداً لقدرة الله وركوناً إلى الحياة العاجلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَتَفَكَّرُوا»: من التفكر، وهو إعمال العقل والنظر في الأدلة للوصول إلى المجهول من المعلوم، وتفعل هنا تفيد التكلف وبذل الوسع في التأمل.
«بِالْحَقِّ»: الحق ضد الباطل، أي بالعدل والحكمة والغائية الرشيدة والصنعة المحكمة، وليس لعباً وعبثاً.
«أَجَلٍ مُّسَمًّى»: الأجل هو المدة المضروبة للشيء، والمسمى هو المعين المحدد في علم الله، وهو يوم القيامة وانقضاء الدنيا.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على مقدر، و{لم} حرف نفي وجزم وقلب.
{يَتَفَكَّرُوا}: فعل مضارع مجزوم بـ {لم} وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
{فِي أَنفُسِهِم}: جار ومجرور متعلقان بـ {يتفكروا}؛ والمعنى: ألم يتفكروا في خلق أنفسهم، أو ألم يخلوا بأنفسهم فيتفكروا.
{مَّا خَلَقَ اللَّهُ}: ما نافية، وخلق فعل ماض، والله فاعل.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{وَمَا بَيْنَهُمَا}: معطوف، وبين ظرف مكان مبني في محل نصب، وهما مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر بعد النفي.
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة، والجار والمجرور في محل نصب حال من فاعل خلق أو مفعوله (أي متلبسة بالحق).
{لَكَافِرُونَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، وكافرون خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من نقد الغفلة إلى تفعيل التفكر الداخلي: لما نعتهم في الآية السابقة بالغفلة عن الآخرة والجهل بالحقائق، قرعهم هنا بالاستفهام التوبيخي: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم}؛ ليوجههم إلى أقرب كتاب مفتوح لديهم وهو "ذواتهم"، فلو نظر الإنسان في أطوار خلقه وتناسق أعضائه لعلم أنه صُنع بحكمة لغاية كبرى.
اقتران الحق بالأجل المسمى: قرن الله خلق الكون بالحق وبالأجل؛ لأن "الحق" يقتضي وجود دار جزاء يُنصف فيها المظلوم ويجازى فيها المحسن، و"الأجل المسمى" يقرر أن هذه المنظومة الكونية مؤقتة لها نهاية حتمية، فإذا انتهت بدأت دار الخلود واللقاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العبثية والصدفة في نشأة الكون: يروج الفكر الإلحادي أن الكون وُجد صدفة بلا غاية، ويتلاشى بلا حساب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبطل الآية الكريمة هذه الدعوى العبثية بحجتين عقليتين قاطعتين:
حجة النظام والغائية {إِلَّا بِالْحَقِّ}: فالقوانين الفيزيائية الصارمة، والتوازن الدقيق في الأفلاك، وتركيب الخلية الحية يستحيل عقلاً أن يصدر عن عمى وصدفة، بل يدل قطعاً على فاعل عليم حكيم مريد.
حجة الحكمة والعدل: خلق الإنسان بهذا العقل والضمير والتكليف يمتنع في بديهة العقل أن ينتهي بموته إلى التراب والعدم متساوياً مع الظالم والمجرم؛ فلابد من لقاء وحساب، وإلا لكان الخلق عبثاً وباطلاً، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.
أسلوب القصر والحصر: النفي بـ {مَا} والاستثناء بـ {إِلَّا} في قوله: {مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ... إِلَّا بِالْحَقِّ} يفيد حصر الخلق في الحكمة والعدل ونفي العبثية والباطل كلياً.
تقديم المتعلق {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ}: تقديم الجار والمجرور على اسم الفاعل {لَكَافِرُونَ} يفيد الاهتمام وإبراز موطن الجحود الأكبر؛ وهو استبعاد لقاء الله والحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
منهج التفكر الذاتي: تخصيص أوقات للخلوة والتأمل في خلق النفس وأسرار الجسد والروح؛ فإن ذلك يحيي شعلة الإيمان في القلب ويطرد ركام الغفلة.
استحضار لقاء الله في كل عمل: المؤمن يعيش مستحضراً أن حياته تسير نحو "أجل مسمى" سيلقى بعده ربه، فيثمر ذلك استقامة في السلوك ومسارعة إلى التوبة والعمل الصالح.