روي عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن البصري وقتادة في تفسير هذه الآية: أنهم أهل بصارة ودقة في شؤون معايشهم، وبناء منازلهم، وزراعتهم، وتجارتهم، وتفاصيل دنياهم، فإذا جاء أمر الدين والآخرة وجدهم غافلين لا يعرفون شيئاً.
وقال الحسن البصري رحمه الله (جامع البيان للطبري، ج20/ ص32)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢: «والله لأحدهم يبلغ به من حذقه بدنياه وعلمه بها أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يخطئ، وهو لا يحسن يصلي ركعتين!».
حقيقة الغفلة عن الآخرة: الغفلة هي السهو والذهول عن الشيء مع وجود أسبابه ودواعيه؛ فهم عطلوا عقولهم عن التفكير في المعاد والجزاء والوقوف بين يدي الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«ظَاهِرًا»: ما بدا وظهر من الشيء دون باطنه وحقيقته، وهو تنكير يفيد التقليل والتحقير؛ أي قشراً يسيراً وسطحياً من حقيقة هذه الحياة الدنيا وزخرفها.
«غَافِلُونَ»: من الغفلة، وهي غيبة الشيء عن بال الإنسان وإعراضه عن تذكره.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة بدل من جملة {لَا يَعْلَمُونَ} في الآية السابقة بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال، أو مستأنفة لبيان حقيقة علمهم.
{ظَاهِرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِّنَ الْحَيَاةِ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لـ {ظَاهِرًا}، والحياة مضاف، و{الدُّنْيَا} نعت للحياة مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
{وَهُمْ}: الواو حالية، {هم} ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{هُمْ}: ضمير فصل أو مبتدأ ثانٍ أو توكيد لفظي للضمير الأول.
{غَافِلُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التنكير في {ظَاهِرًا} والتقييد بـ {مِّنَ}: تنكير "ظاهراً" واستخدام حرف التبعيض "من" اجتمعا لبيان غاية الضآلة والقصور؛ فعلمهم ليس بكل الدنيا، بل ببعضها، وليس بباطن هذا البعض، بل بظاهره وقشوره الزائلة فقط.
تكرار الضمير {هُمْ... هُمْ}: في قوله {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تكرار للضمير يفيد الحصر والتأكيد، وبيان أن الغفلة صارت صفة ملازمة ومتأصلة في كينونتهم وشخصيتهم.
الارتباط النظمي بين نفي العلم وإثباته: في الآية السابقة قال: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، ثم قال هنا: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا}؛ فنفى عنهم العلم الحقيقي المثمر النافع، وأثبت لهم العلم السطحي الآني الذي لا ينقذهم من عذاب الله، وفي ذلك غاية التهكم بعقولهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية التطور العلمي والمادي عن الإيمان: يزعم الماديون المعاصرون أن التقدم التكنولوجي والصناعي والعلمي يغني البشرية عن الأديان والإيمان بالغيب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
قدم القرآن الكريم في هذه الآية أدق تشخيص إبستيمولوجي (معرفي) للحضارات المادية؛ فالعلوم التجريبية والهندسية -على أهميتها الدنيوية- علوم تتعلق بـ "ظاهر الحياة" وقوانين المادة المحسوسة، لكنها عاجزة عجزاً كلياً عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى: من أين جئنا؟ ولماذا خُلقنا؟ وإلى أين المصير؟ وكيف نتطهر أخلاقياً وروحياً؟
فإذا اغتر الإنسان بعلوم المادة وغفل عن الغاية والآخرة تحولت حضارته إلى أداة تدمير وفساد وقلق وجودي وانتحار روحي، وهذا هو عين ما يعانيه العالم المادي المعاصر اليوم.
الاستدراك والطباق التهكمي: بين {لَا يَعْلَمُونَ} و{يَعْلَمُونَ} طباق سلب، يعقبه تنكير {ظَاهِرًا} لتحقير علم لا يربط العبد بخالقه ومصيره.
تقديم الجار والمجرور {عَنِ الْآخِرَةِ}: للاهتمام والتعظيم والتشنيع؛ فالأمر الذي يستحق غاية اليقظة والاهتمام (الآخرة) هو بعينه الشيء الذي تفرغوا للغفلة عنه والذهول عن أهواله!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تكامل العلم المادي مع البصيرة الإيمانية: الإسلام لا يحرم العلم الدنيوي والتفوق في عمارة الأرض، بل يحذر من أن يستغرق هذا العلم كيان الإنسان حتى ينسيه مصيره الأخروي.
اليقظة الدائمة ومحاربة الغفلة: محاسبة النفس يومياً على الاستعداد للموت ولقاء الله، وعدم الغرق في الملهيات والشهوات الدنيوية.