قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص52)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢ وابن كثير (ج6/ ص316)مصدر غير محدد٦/٣١٦: «يقول تعالى ذكره: ومن أدلته على قدرته وحكمته منامكم لتستريحوا من التعب والنصب، وجعل الليل سكناً لذلك، وجعل النهار معاشاً تبتغون فيه من فضل الله بالتجارة والمكاسب، وقيل: منامكم بالليل والنهار عند الحاجة، وابتغاؤكم من فضله بالنهار وبالليل عند الضرورة».
وقد جرى في أسلوب العرب اللف والنشر المرتب أو المشوش؛ فالمنام للّيل غالباً، والابتغاء والسعي للنهار غالباً، وكلاهما قد يقع في الآخر.
ختام الآية بالسماع: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}؛ أي يسمعون سماع تدبر وتفهم واتعاظ، لا مجرد سماع أصوات عابر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مَنَامُكُم»: مصدر ميمي بمعنى نومكم ورقادكم، والنوم وفاة صغرى وسكون للقوى الظاهرة لاستعادة نشاط الجسد والروح.
«وَابْتِغَاؤُكُم»: الابتغاء هو الطلب والتحري والاجتهاد في السعي.
«فَضْلِهِ»: الفضل هو الرزق والعطاء والمكاسب الحلال التي ييسرها الله لعباده.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{مَنَامُكُم}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن بين السكون الإجباري والحركة الاختيارية: بعد أن بين في الآيات السابقة خلق الإنسان والزوجية وتنوع الألوان، انتقل إلى نظام الحياة اليومية الذي لا يستغني عنه كائن حي؛ وهو التوازن البيولوجي البديع بين "النوم" لترميم الجسد، و"السعي" لتحصيل الرزق.
التناسب في التذييل بـ {يَسْمَعُونَ}: خص السماع هنا بالذكر لأن النوم سكون وذهاب للبصر وإقبال للظلام؛ فحاسة السمع هي الحاسة التي تظل مستيقظة متنبهة في النوم لحفظ الإنسان، كما أن السماع هو أداة تلقي مواعظ الوحي وقبول الحجج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اعتيادية النوم والغفلة عن إعجازه: يرى الغافلون أن النوم عملية روتينية بيولوجية عادية لا تستحق الوقوف والتأمل.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يقف العلم الحديث مبهوتاً أمام لغز "النوم"؛ فكيف يفقد الإنسان وعيه فجأة، وتتعطل إرادته، وتسترخي عضلاته، وتغوص روحه في عالم الرؤى والأحلام وهو حي يتنفس قلبه ورئتاه؟ ومن الذي يحرسه في نومه؟ ومن الذي يرده إلى يقظته في الصباح؟ إن النوم معجزة يومية حية تُري الإنسان موته الصغير وبعثه اليومي: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}، والجاحدون يغفلون عن هذه المعجزة لاعتيادهم إياها.
اللف والنشر المحكم والطباق البديع: بين {مَنَامُكُم} و{ابْتِغَاؤُكُم}، وبين {بِاللَّيْلِ} و{النَّهَارِ}؛ طباقان متوازيان يغطيان مدار الحياة الإنسانية بين الراحة والإنتاج.
الإشارة التدبرية: تسمية الرزق «فضلاً»: {مِّن فَضْلِهِ} تنبيه للمؤمن على أن كده وعمله وسعيه ليس هو الخالق للرزق استقلالاً، بل الرزق فضل إلهي محض ومنة من الجواد الكريم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة النوم والعافية: استشعار عظمة نعمة النوم؛ فكم من مريض مسلوب النوم يبذل الأموال الطائلة ليتذوق ساعة من الكرى.
عمارة الحياة بالتوازن بين العبادة والسعي والراحة: تنظيم المسلم لليله ونهاره؛ فلا يسهر في معصية ولا يتكاسل عن طلب رزقه، بل يعطي لجسده حقه من النوم، وليومه حقه من السعي الصالح.