أخرج الطبري (جامع البيان، ج20/ ص40)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ}، قالوا: «يَيأسُ المجرمون من كل خير، وتَنقطعُ حُججُهم، ويَخرسون حَيرةً وندماً».
ومن هذا المعنى سُمي إبليس «إبليساً» لأنه أُبلس من رحمة الله، أي يئس وانقطع وتنكّد.
تعريف المجرمين: هم المشركون والكفار الذين ارتكبوا أعظم الجرم وهو الشرك بالله والعدوان وتكذيب الرسل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«تَقُومُ السَّاعَةُ»: القيامة الكبرى حين يُنفخ في الصور فيقوم الناس لرب العالمين. وسُميت الساعة لأنها تقوم بغتة في ساعة من الساعات، أو لسرعة انقضاء الحساب فيها.
«يُبْلِسُ»: أَبْلَسَ الرجلُ إبْلاساً إذا سكت وانقطعت حجته واندهش واشتدت حيرته ويأسه، والإبلاس: الحزن الشديد الناشئ عن شدة اليأس والخيبة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، {يوم} ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل {يُبْلِسُ}.
{تَقُومُ}: فعل مضارع مرفوع، و{السَّاعَةُ} فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ {يوم}.
{يُبْلِسُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْمُجْرِمُونَ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير مشهد الصدمة والانكسار: في الدنيا كانوا يجادلون بالباطل ويستهزئون بآيات الله ويستطيلون على المؤمنين بأموالهم، فلما قامت الساعة وعاينوا الحقيقة انقلب صياحهم وكبرهم إلى خرس مطبق ويأس ساحق وإبلاس تام: {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ}.
الاتساق مع بيان البعث والرجوع: بعد أن قرر في الآية السابقة {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، شرع هنا في تفصيل أهوال هذا الرجوع وما يلقاه المجرمون لحظة مباغتة الحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكانية الاعتذار أو الخلاص بالشفاعات الباطلة: كان المشركون يزعمون أن آلهتهم ستشفع لهم وتدفع عنهم العذاب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبين الآية المشهد العقلي والنفسي الحقيقي للمجرمين؛ فلو كان لديهم أدنى شبهة عذر أو أمل في نجاة لما أبلسوا، فالإبلاس واليأس التام دليل قاطع على سقوط كل الأكاذيب والأوهام وانكشاف بطلان آلهتهم وشركائهم عياناً.
البلاغة التصويرية للفظة «يُبْلِسُ»: لفظة فريدة تجمع بين تصوير السكوت الحائر، واليأس القاتل، وانكسار العين، وذلة الموقف، وانقطاع الحيلة، في كلمة واحدة تصدح بالهول والوجوم.
الإشارة التدبرية: الفارق الهائل بين استكبار المجرم في الدنيا وتجبره على الضعفاء، وبين مشهده المهين يوم القيامة مبلساً خاشعاً عاجزاً عن النطق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مباغتة الساعة وسوء المنقلب: توجيه النفس إلى العمل الصالح اليوم قبل أن يأتي يوم ينقطع فيه الرجاء ويحل الإبلاس وتنسد فيه أبواب التوبة.
الاستعاذة من الشرك والإجرام: مجانبة كل أشكال الظلم والذنوب، والاعتصام بالتوحيد الخالص الذي ينقذ العبد من هول ذلك الموقف.