روى الطبري في تفسيره (ج20/ ص24)مصدر غير محدد٢٠/٢٤ بإسناده عن عكرمة ومجاهد وقتادة والزهري أن المعركة التي غُلبت فيها الروم كانت في «أطراف الشام ومشارفها مما يلي أرض الروم وفارس»، وقيل في أرض الجزيرة، وقيل بأذرعات وبصرى من أرض الشام المتاخمة لبلاد العرب.
وقال ابن كثير (ج6/ ص303)مصدر غير محدد٦/٣٠٣: «كانت هذه الوقعة بين فارس والروم بين أذرعات وبصرى، وهي من أدنى بلاد الشام إلى أرض الحجاز».
النبوءة الغيبية القاطعة: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}؛ وعد جازم لا يحتمل التردد ولا يقبل الشك؛ أخبر به القرآن الكريم في وقت كانت فيه الإمبراطورية الرومانية قد انهارت قواها، ودمر الفرس جيوشها واستولوا على الشام وبيت المقدس ومصر وحاصروا القسطنطينية ذاتها، فكان الإخبار بعودتهم للغلبة ضرباً من المحال في الحسابات العسكرية المادية المجردة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أَدْنَى»: اسم تفضيل من الدنوّ وهو القرب، أي أقرب الأرض إلى بلاد العرب ومكة، وتأتي أيضاً في لسان العرب بمعنى الأخفض والأسفل من الدناءة والنزول (يقال: دنا يدنو دُنُوّاً ودناوة إذا سفل وانحط).
«غَلَبِهِمْ»: مصدر مضاف إلى المفعول، أي بعد أن غَلَبهم الفرسُ، ويجوز كونه مضافاً إلى الفاعل مجازاً باتساع المعنى.
{سَيَغْلِبُونَ}: السين حرف استقبال وتأكيد يفيد القرب والتحقق، {يغلبون} فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هم}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حرف السين الدال على التحقق: لم يقل "سوف يغلبون" التي تفيد التراخي الطويل، بل أتى بـ «السين» الدالة على التوكيد والمشارفة؛ لتقريب زمن النصر، وتطمين نفوس المؤمنين بأن الفرج ليس بعيداً.
الطباق المعنوي المحكم: التقابل البديع بين صيغتي {غُلِبَتِ} (ماضٍ مبني للمجهول يفيد الانكسار والوقوع) و{سَيَغْلِبُونَ} (مضارع مبني للمعلوم مؤكد بالسين مسند إلى واو الجماعة يفيد الحركة والمبادرة والقهر)، مما يعكس الانقلاب الجذري الكامل في موازين القوى بإرادة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التحدي بالغيبيات وإمكانية التخلف: زعم الملاحدة أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاض مجازفة خطيرة بتحديد نصر أمة مدمرة على أمة منتصرة قاهرة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
هذه النبوءة القاطعة من أسطع براهين صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن القرآن كلام رب العالمين؛ إذ لا يمكن لبشر عاقل فضلاً عن مدعٍ كاذب -حاشاه- أن يغامر بمستقبل دعوته كلها ويعلق مصداقيتها على حدث عسكري خارجي لا يد له فيه بين دولتين عظميين، إلا إذا كان موحى إليه من إله علام الغيوب يملك تصريف الأقدار.
وقد تيقن المشركون أنفسهم من هذا الوعد حتى راهن أبي بن خلف أبا بكر الصديق رضي الله عنه على وقوعه بمال كثير، فتحقق الوعد وغلب الروم، وكسب أبو بكر الرهان (وكان ذلك قبل تحريم القمار والمراهنة).
الإشارة الجغرافية العلمية (أدنى الأرض): نبه الباحثون المعاصرون إلى أن حوض البحر الميت وأطراف غور الأردن وبصرى والشام التي وقعت فيها المعارك هي أخفض بقعة يابسة على سطح كوكب الأرض جيولوجياً (نحو 400 متر تحت مستوى سطح البحر)، واللفظ القرآني {أَدْنَى الْأَرْضِ} يحتمل لغوياً معنى "الأقرب" إلى جزيرة العرب، ومعنى "الأخفض والأسفل" في طبوغرافيا الأرض، وكلا المعنيين حق ومطابق للواقع المشاهد.
الجناس الاشتقاقي والمقابلة: بين {غُلِبَتِ} و{غَلَبِهِمْ} و{سَيَغْلِبُونَ}؛ حيث دارت الكلمة بتصريفاتها الثلاثة لترسم دورة الزمان وتقلب الأيام بأمر الله.
الإشارة التدبرية: الإيمان لا يعرف اليأس من روح الله؛ فالروم كأمة كتابية بعد أن سُحقت واحتلت أراضيها ونهب صليبها، يقرر القرآن أنهم سينهضون من جديد، فكيف ييأس المؤمن صاحب الحق الواضح من زوال محنته وانكساره؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة اليقين بوعد الله: تدريب المسلم على أن سنن النصر والتمكين خاضعة للتقدير الإلهي، وأن الانهيار الظاهري ليس نهاية المطاف إذا أخذت الأمة بأسباب النهوض وأصلحت صلتها بربها.
الدعوة بروح التفاؤل الاستراتيجي: التفاؤل الإيماني ليس تمنيات فارغة، بل هو يقين بوعد الله يصحبه عمل وإعداد واستثمار للفرص والأحداث العالمية لنصرة الدين.