قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص99)جامع البيانالطبري٢٠/٩٩ وابن كثير (ج6/ ص335)مصدر غير محدد٦/٣٣٥: «يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء القيامة الكبرى ويُبعث الموتى من القبور، يحلف الكفار المجرمون بالله أيماناً مغلظة ما لبثوا في قبورهم وفي دنياهم إلا ساعة واحدة من نهار؛ وذلك لهول ما عاينوا من العذاب الأبدي، فاستصغروا مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ حتى صارت كأنها ساعة يسيرة».
تفسير {كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ}:
أي كما صُرفوا في القيامة عن معرفة قدر لبثهم وحلفوا على الكذب، كذلك كانوا في دار الدنيا يُصرفون عن الحق والتوحيد والصدق إلى الكذب والإفك والضلال؛ فالإفك دأبهم في الدارين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«تَقُومُ السَّاعَةُ»: القيامة الكبرى، وسُميت ساعة لسرعة وقوعها وحسابها.
«سَاعَةٍ»: قطعة يسيرة من الزمان، تطلق على جزء من أجزاء الليل والنهار.
«يُؤْفَكُونَ»: يُصرفون عن الصدق والحق إلى الكذب والباطل؛ والإفك هو أسوأ الكذب وأشنعه والتحول عن الحق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، يوم ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل {يُقسم}.
{تَقُومُ السَّاعَةُ}: فعل وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ {يوم}.
{يُقْسِمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْمُجْرِمُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{مَا لَبِثُوا}: ما نافية، لبثوا فعل ماض وفاعل، وجملة {ما لبثوا} جواب قسم مقدر لا محل لها.
{غَيْرَ}: نائب عن ظرف الزمان منصوب بالفتحة (أي وقتاً غير ساعة)، وهو مضاف.
{سَاعَةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{كَذَٰلِكَ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف (أي: إفكاً مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون).
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص والواو اسمها.
{يُؤْفَكُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجناس التام المعجز بين {السَّاعَةُ} و{سَاعَةٍ}: من أبدع وجوه البلاغة القرآنية وأعلاها؛ حيث تكررت الكلمة بلفظها وحروفها واختلف المعنى كلياً:
الأولى: {السَّاعَةُ}؛ وهي القيامة الكبرى ذات الأهوال والخلود الأبدي.
الثانية: {سَاعَةٍ}؛ وهي جزء يسير من أجزاء الزمن الدنيوي الزائل.
كشف انكماش الزمن الدنيوي أمام أهوال الخلود: في الدنيا يظن الكافر أن عمره طويل، وأنه مخلد في ملذاته، فلما عاين القيامة والخلود انكمشت الدنيا كلها في حسه حتى حلف جازماً أنها لم تكن سوى "ساعة" عابرة انقضت كحلم نائم!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة حلفهم الكاذب يوم القيامة: كيف يحلف المجرمون في عرصات القيامة كذباً بأنهم ما لبثوا غير ساعة، والقيامة دار حق لا مجال فيها للكذب؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بيّن الأئمة (كالرازي وابن عاشور) أن قسمهم هذا ليس كذباً متعمداً في زعمهم، بل هو تعبير صادق عن "شعورهم النفسي والزمني الداخلي" بتفاهة مدة الدنيا والبرزخ أمام هول الأبد ومفاجأة العذاب، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}. وقيل: هو من شدة دهشتهم واختلاط عقولهم يحلفون على ما يخيل إليهم، فأكذبهم أهل العلم والإيمان في الآية التالية.
أسلوب الحصر بـ {مَا... غَيْرَ}: نفي واستثناء يفيد قصر مدة اللبث على تلك الساعة اليسيرة في حسهم ووجدانهم.
الإشارة التدبرية: إذا كانت الدنيا كلها من أولها إلى آخرها ستصبح في عينك يوم القيامة مجرد "ساعة"، فهل يستحق عاقل أن يبيع خلود الجنة ونعيمها المقيم من أجل شهوة ساعة فانية؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر الأمل والزهد في الدنيا: استحضار سرعة انقضاء العمر؛ فالأيام تمر كمر السحاب، والموفق من عمر هذه الساعة الدنيوية بالباقيات الصالحات.
الحذر من الإفك والتحريف: صيانة اللسان والقلب من الكذب وتزييف الحقائق؛ لئلا تطبع النفس على الإفك في الدنيا والآخرة.